فدعوت الغربان فلم تأت ماذا نصنع بك؟ قال: أبعدها الله إذًا!! [1] .
وهذه الشخصية غريبة الأطوار لا تزال تطل برأسها، وتظهر بوصفها، في هؤلاء الذين لا تعرفهم سوح النزال إلا إذا خَلَت من فرسانها وأبطالها، وأُثقلِت الليوث بقيودها وأغلالها، فترى عينك حينئذ ما لم تكن ترى، وتسمع أذنك ما لم تكن تسمع، وقد صدق من قال حينها:
تنسَّرت البغاث بأرض نسر ... ودَلَّ الذئب في أرض الهزبرِ
وشمَّر عن مداهُ كلُّ غِرٍّ ... وطاول صاحب الماضي الأغَرِّ
وإني لمدرك أن ظاهرة أبي حية تحتاج إلى ممارسات أهل الطب أكثر من حاجتها إلى الرد العلمي، فصاحب البِزَّةِ البيضاء، أولى بمباشرتها من صاحب العمامة والرداء! والمِسْبار والمِبضع والمقياس، أجدى في التعامل مع المصاب بها من الدواة والقلم والقرطاس!!
ثم إني لا يكاد ينقضي عجبي، ولا يهدأ غضبي من جرأة ذلك المتطاول على الشيخ الأسير، وهو في نفس الوقت مُكرَمٌ في دارٍ يُغضِبُ صاحبها صنيعه، بل صاحب تلك الدار قد سماها باسم الشيخ الأسير، فهل غاب عن نظره وهو (المدقق!) و (المحقق!) أن تلك الدار التي يتجوّه بالانتساب إليها أحد سُبلها المؤدية إليها:
وكل ناظر في ما سطره صاحب تلك الدار الرحيبة فك الله أسره، يعلم منزلة الشيخ أبي قتادة منه، فقد أثنى عليه، ونقل من كلامه، وذب عنه، في مواضع من كتبه ورسائله، ومن ذلك دفعه عنه في كتابه القيم: (تبصير العقلاء بتلبيسات أهل التجهم والإرجاء) ،
فمما قاله تحت عنوان"طعن الحلبي في أهل الإسلام وتركه بل ودفعه عن أهل الأوثان":
(وتأكيدا لمنهج الحلبي هذا في متابعته لأهل البدع في الطعن في أهل السنة وغمزهم ولمزهم وتسميتهم
(1) السابق.