الصفحة 52 من 146

الناهي .. واحذروا من نفخة تُحتَقَر، وشررة تُستصغر، فربما أحرقت بلدًا! وهذا الذي أشرت إليه، يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب [1] .

ثم لكل منصف أن يتأمل أمرين مهمين:

الأول: أن ذلك الوصف الذي وَصَفَ به من زَعَمَ أنه يجيز تلك الفِعْلة، يعلم كل أحد أنه وصف كاذب لا حقيقة له، وإنما يذكره في كِتَابه بعد أن فاهَ به في الواقع لغرض الإضحاك! كما تراه يتباهى بنقل السائل لكلامه في المجالس لذات الغرض! وقوله ذلك، ثم نقل السائل له في المجالس، ثم ذِكرُهُ له في كتابه، كلها تدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي أخرجه أحمد [2] وأبو داود [3] والترمذي والنسائي وغيرهم: (ويل للذي يُحدِّث فيكذب ليُضحِك به القوم، ويل له! ويل له!) .

قال المناوي رحمه الله: (كرره إيذانًا بشدة هلكته، وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم، وجماع كل فضيحة، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب، ويجلب النسيان، ويورث الرعونة، كان أقبح القبائح! ومن ثمَّ قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة [4] .

قلت: فإذا كان استجلاب الضحك بالكذب المجرد أقبح القبائح! فكيف باستجلاب الضحك بالكذب مع البذاءة والفحش؟!!

الأمر الثاني: لم يذكر (المحقق المدقق!) أي مراجعةٍ له للسائل تُفيد تَثَبُّتَه في حقيقة ما نُسِبَ إلى الرجل قبل أن يجودَ بتلك الأوصاف! وكأنه ما دام المُقابل مرجئًا أو جهميًا أو مُخالفًا أيًا كان فلا حاجة للتثبت، ولا يهمنا إلا الإسقاط وإعلاء النكير والتشويه ولو في مقام المحتملات!!

مع أن السائل قد يكون سمع من الرجل كلامًا لم يفهمه على وجهه، وهذا يحصل كثيرًا، وفي تلك المسألة بالذات، وأعرفُ من عَرَضَ له الكلامُ من أهل العلم على قول الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ... } [البقرة: 223] ، فقال في كلامه: (يجوز للرجل أن يأتي أهله كيفما شاء من الأمام والخلف ... إلخ) ، ففهم بعض من سمع كلامه أنه يُجِيز إتيان أدبار النساء! واستنكروا ذلك

(1) صيد الخاطر (ص 149) .

(2) المسند (33/ 244) .

(3) السنن (4990) .

(4) فيض القدير (6/ 368) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت