يكون أراد بالثياب الأنفس، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، يقال منه: فلان نقي الثياب إذا كان بريًا من الدنس والآثام، وفلان دنس الثياب إذا كان مغموصًا عليه في دينه، قال امرؤ القيس يمدح قومًا:
ثياب بني عوف طهارى نقيةٌ ... وأوجههم بيض المَسَافِرِ [1] غُرَّانُ [2]
يريد بثيابهم أنفسهم، لأنها مبرأة من العيوب، وكذلك قول النابغة:
رقاقُ النعالِ طيّبٌ حُجُزَاتُهم ... يُحيّونَ بالريحان يوم السَبَاسِبِ [3]
يريد بالحُجُزَات: الفروج أنها عفيفة، ونرى والله أعلم أن قول الله تبارك وتعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} من هذا، قال الشاعر يذم رجلًا:
لاهُمَّ إن عامرَ بن جهمِ ... أوْذَمَ [4] حجًا في ثيابِ دُسْمِ [5]
يعني أنه حج وهو متدنس بالذنوب [6] .
وقال الخطابي رحمه الله: (وقوله:(( كلابس ثوبي زور ) )يُتأول على وجهين، أحدهما: أن الثوبين ههنا كأنه كناية عن حاله ومذهبه، وقد تكني العرب بالثوب عن حال لابسه وعن طريقه ومذهبه كقول الشاعر:
وإني بحمد الله لا ثوبَ غادرٍ ... لبستُ ولا مِن ريبةٍ أتقنّعُ
والمعنى أن المتشبع بما لم يعط بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن [7] .
وعلى هذا المعنى ففي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للثوب بصيغة التثنية ثلاثة أجوبة:
(1) مَسَافِرُ الوجه: ما يظهر منه، قاله غير واحد من أئمة اللغة.
(2) أي بيضاء وجوههم مستبشرة.
(3) يوم عيد، وأصله عيد النصارى.
(4) يعني أوجبه على نفسه.
(5) ثياب دُسْم: أي متدنسة متسخة.
(6) غريب الحديث (2/ 253 - 254) .
(7) معالم السنن (4/ 135) .