الأول: أن التثنية لكون المتشبع جمع بين الكذب على نفسه بادعائه لها ما ليس فيها، والكذب على الناس بتمويهه عليهم حتى يظنوا به ما لم يُعْطَه، قال الكرماني رحمه الله: (وفائدة التشبيه .. -إلى أن قال- أو الإعلام بأن في التشبع حالتين مكروهتين: فقدان ما تشبع به، وإظهار الباطل [1] .
وقال ابن الأثير رحمه الله: (فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه، يريد أن الله منحه إياها، أو يريد أن بعض الناس وصله بشيء خصه به، فيكون بهذا القول قد جمع بين كذبين:
أحدهما: اتصافه بما ليس فيه وأخذه ما لم يأخذه، والآخر: الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس.
وأراد بثوبي الزور هذين الحالين اللذين ارتكبهما واتصف بهما، وقد سبق أن الثوب يطلق على الصفة المحمودة والمذمومة، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية، لأنه شبه اثنين باثنين [2] .
الثاني: المراد بالثوبين أن المتشبع متصف بالزور من رأسه إلى قدميه، قال الكرماني رحمه الله: (وفائدة التشبيه المبالغة إشعارًا بأن الإزار والرداء زور من رأسه إلى قدمه [3] .
الثالث: أن في التثنية شدة مبالغة وتحذير، فكأن المتشبع قال الزور أو فعله مرتين، أو كان الزور بقوله وفعله، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وقال الداودي: في التثنية إشارة إلى أنه كالذي قال الزور مرتين، مبالغةً في التحذير من ذلك [4] .
وقال القاضي عياض رحمه الله: (والمراد بالثياب هنا الأنفس، وثنى هنا الثوبين قيل: لأنه كاذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يعطه، وقيل: كقائل الزور مرتين [5] .
هذه جملة ما وقفتُ عليه من أقوال أهل العلم في معنى الحديث، والله تعالى الموفق.
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة) .
(1) انظر عمدة القاري للعيني (20/ 204) .
(2) النهاية (1/ 228) .
(3) انظر عمدة القاري للعيني (20/ 204) .
(4) فتح الباري (9/ 318) .
(5) مشارق الأنوار (1/ 135) .