قال القاضي عياض رحمه الله عند قوله: (ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة) : هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط، من مال يختال في التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به وليس هو من حملته، أو دين يُظهره وليس هو من أهله، فقد أعلم صلى الله عليه وسلم أنه غير مباركٍ له في دعواه ولا زاكٍ ما اكتسبه بها [1] .
وقد تقدم قول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: (( أفضَحُ ما يكون للمرء دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا، وقالوا فيه نظمًا ونثرًا فمن ذلك، قول أبي العباس الناشيء:
من تحلّى بغير ما هو فيهِ ... عاب ما في يديهِ ما يدعيهِ
وإذا حاول الدعاوى لما فيه ... أضافوا إليهِ ما ليس فيهِ
ويحسب الذي ادعا ما عَدَاه ... أنه عالمٌ بما يعتريهِ
ومحل الفتى سيظهر في الناس ... وإن كان ذائبًا يُخفيه
وأحسن من قول الناشيء قول الآخر في هذا المعنى:
من تحلى بغير ما هو فيهِ ... فضحتهُ شواهد الامتحانِ
وجرى في العلوم جري سُكَيْتٍ ... خلَّفتهُ الجياد يوم الرهانِ [2] .
وكذلك تقدم قول الأديب أبي علي ابن مسكويه فيمن يفتخر بالخارجات عنه، وأنه حقيق بالبصق عليه!!
وما أحسن ما قاله الراغب الأصفهاني رحمه الله: (وحال المتشبع كالجرح يندمل على فساد، فلا بد أن ينبعث ولو كان بعد حين:
فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد [3] .
فإذا استبان هذا فاعلم أن صاحب التبصير قد حاز قصب السبق من هذه الصفة، وهذه كتاباته عاجّة بعريض الدعوى، التي ليس لها في عدوة الحقائق ملاذٌ ولا مأوى! وقد تقدم من كلامه المنقول ما يفي
(1) انظر شرح النووي على مسلم (2/ 126) .
(2) جامع بيان العلم وفضله (1/ 576 - 577) .
(3) الذريعة إلى مكارم الشريعة (ص 103) .