ويكفي للاستيقان بهذا، إلا أني سأذكر في هذا الموضع مثالًا صارخًا وقفتُ عليه، يستحق أن يُصاح بصاحبه في المحافل: هذا المتشبع بما لم يُعط فاعرفوه!!
والكلام الذي سأورده حول قصة الرجل الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى أهله إذا هو مات أن يحرقوه ثم يذروه، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين) .
وقد اختلفت مسالك أهل العلم في الجواب عن قول الرجل: (لئن قدر الله عليّ) ، بما هو معلوم في مظانه من كتب أهل العلم.
فانظر ما سأنقله لك من كلام الجزائري عبد الإله جوابًا على قول الرجل، لترى كيف يكون التعالم والتشبع المقيت!
يقول: (نريد أن نكرمك بقول من صميم العلم، وقريح الفهم، لم أُسبق إليه، في قوله:"لئن قدر الله عليَّ"ولا تجده إلا في هذا الموطن _منَّة من الله نشكره عليها ونسأله المزيد_.
قلت: فقول ذاك الرجل لا يدل على جهله صفة القدرة ألبتة، بل هذه الصفة هي الأعظم في الوضوح للكافر الجاهل، والكافر المعاند، أو المستكبر، أو غيره، لبديعة الخلقة المتممة.
إنما كان قوله ذاك بسبب السلطان القاهر المستول-كذا-، ولنبدأ بالشهوة في التوضيح، ففرطها يقهر مقتضى الإيمان، ويمنعه موجبه، بحيث يصير الاعتقاد مقهورًا مغلوبًا، كالعقل في النائم والسكران.
فهذا المفرط في السيئات _لسلطان الغفلة_ الذي يحمل على الذهول عن التحريم، لما _في لحظة من اللحظات_، يصطدم بعظمة الرب وشدة بأسه ويتحقق من وقوعه عليه، يتعاظم في قلبه الخوف حتى يستول-كذا- عليه سلطانه، فيدفعه إلى الفرار من ذلك بأيّ مسلك كان، فالخوف الكبير _ لمعاصيه الكثيرة_ تسلّط عليه سلطانه فحمل على ذلك القول:"لئن قدر الله عليّ" [1] .
قلت: فمحصل كلامه هذا أن الحامل للرجل على قول تلك العبارة هو ذهوله وشدة خوفه، فقالها وهو مستولٍ على عقله سلطان الخوف، محجوب عن درك معنى ما قال، فلم يُؤاخذه الله بقوله إذ قاله في تلك الحال.
(1) قطع اللجاجة (61 - 62) .