وهذا القول الذي تشبَّعَ بأن أحدًا لم يسبقه إليه، هو بعينه قولُ جماعة من أهل العلم، حكاه كثير من أهل العلم!! واختاره بعض المشاهير!! فزعمه أنه لم يسبقه إليه أحد لا ينفك عن أحد أمرين البتة، وكلاهما مُرٌ:
إما جهلٌ بكلام أهل العلمِ فاضح! وإما كذب صريح واضح!!
ودونك جملة من كلام من حكى ذلك القول، ومن قال به من أهل العلم -بحسب اطلاعي القاصر-:
1 -قال ابن بطال رحمه الله وهو يعدد جوابات أهل العلم على قول الرجل (لئن قدر الله عليّ) : (وقال آخرون: إنما غفر له، وإن كان كفرًا ممن قصد قوله وهو يعقل ما يقول، لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول، وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذى كان لحقه لخوفه من عذاب الله تعالى [1] .
2 -وقال القاضي عياض رحمه الله في كلامه على الحديث: (وقيل في مثل هذا: أن الرجل أدركه من الخوف ما سلَبَه ضبطَ كلامه، حتى تكلم بما لم يحصله، ولا اعتقد حقيقته [2] .
3 -قال النووي رحمه الله وهو يذكر مسالك أهل العلم في الحديث: (وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته:(أنت عبدي وأنا ربك) فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو، وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم: (فلعلي أضل الله) أي: أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله: (لئن قدر الله) على ظاهره [3] .
4 -وجاء في طرح التثريب عند هذا الحديث، -وهو للحافظ أبي الفضل العراقي ولابنه أبي زرعة العراقي ولم أتحقق لأيهما الكلام-: (وقال آخرون: اللفظ على ظاهره وذكروا له تأويلات:
أحدهما: أن هذا الرجل قال هذا الكلام وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف والجزع الشديد، بحيث ذهب تيقظه وتدبره ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح
(1) شرح صحيح البخاري (10/ 192 - 193) .
(2) مشارق الأنوار (2/ 59) .
(3) شرح صحيح مسلم (17/ 71) .