فأترك بعد هذا الحكم للقارئ على هذه الفضيحة العلمية من ذلك المتشبع بما لم يعط، الذي يزعم بلا حياء أن أحدًا لم يسبقه إلى ذلك القول!!!
وكتابات هذا الرجل مليئة بمثلِ هذه الدعوى، فليكن منها الناظر على حذر، فهذه واحدة منها أمام عينيه تُعرِّفُ حال دعاويه حتى لأعمى البصر!!
وما دمت عند هذا الموضع فسأتمم بنقل بقية كلام عبد الإله الجزائري بعد الموضع الذي نقلتُه أولًا بأسطر قليلة، ففيه بلية أخرى فاضحة!
يقول -والكلام لازال حول حديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه بعد موته-: (ثم الرجل بقوله:"لعل الله يتجاوز عنا"، وقوله:"لئن قدر الله عليّ"، قد جمع الجمع السلفي المطلوب على كل أحد أن يفعله غَرغَرة في ملاقات الباري، أن يجمع بين الرجاء والخوف، إلا أن سلطان الخوف _لكثرة معاصيه_ قهره حتى ذاك القول، فهو لم يكن حروريًا ولا مرجئًا، بل تعبد بالإرجاء والخوف معًا، فقول ذاك الرجل لا يخرج عن هذا التحقيق [1] .
والكلام كما ترى فيه وهن في تركيب الكلمات وتجميعها، وقد نقلته لك كما هو! وليس هذا هو المقصود من إيراده.
بل المقصود ثلاثة أمور:
الأول: قوله: (ثم الرجل بقوله:"لعل الله يتجاوز عنا") ، وهذا تخليط عجيب، فهذا الترجي لم يقله ذلك الرجل الذي أمر أهله بإحراقه على الإطلاق، ولم يرد في شيءٍ من الأحاديث، وإنما قائله رجل آخر في قصة أخرى! وهو ذلك التاجر -وحديثه في الصحيحن وغيرهما- الذي كان يُداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لغلمانه: (تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا) ، فكيف أقحم كلام هذا في كلام ذاك؟!
وبالرجوع إلى كلام الحافظ ابن عبد البر وجدته قد أورد حديث المُداين في سياق شرحه لحديث الرجل الموصي بالإحراق، وظني بصاحب التبصير أنه ظن القصتين لرجل واحد لَمّا رأى سياقة الحافظ لقصة المداين في الشرح للحديث الآخر، فمرَّ على كلام الحافظ كما يمرُّ الماء على السطح المائل، فخرج بهذا الخلط، فليَهْنَهُ هذا التحقيق والتدقيق!! وهذه العِلمية الواسعة!!
(1) قطع اللجاجة (ص 62) .