الصفحة 82 من 146

قال العلامة ملا علي القاري رحمه الله: (( يغشاهم) أي: يأتيهم (الذل من كل مكان) أي: من كل جانب، والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة، يطؤهم أهل المحشر بأرجلهم من هوانهم على الله .. -إلى أن قال- فالتحقيق أن الله يعيدهم عند إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم، وجمع أجزائهم المعدومة تحقيقًا لوصف الإعادة على وجه الكمال، ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلًا لهم جزاءً وفاقًا، أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب، وظهور أثر العقوبة السلطانية التي لو وضعت على الجبال لصارت هباءً منثورًا ..

(تعلوهم) أي: تحيط بهم وتغشاهم، كالماء يعلو الغريق، (نار الأنيار) أي: نار النيران .. قال القاضي: وإضافة النار إليها للمبالغة، كأن هذه النار لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها.

أقول-القاري-: أو لأنها أصل نيران العالم لقوله تعالى: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم) .

(يسقون) : بصيغة المجهول، وفيه إشارة إلى الإكراه، وإيماء إلى زيادة الإحراق المؤثر إلى بطونهم أيضًا، (من عصارة أهل النار) أي: صديدهم المنتن المحمى غاية الحرارة، المعبر عنه بحميم، (طينة الخبال) : تفسير لما قبله، وهو بفتح الخاء بمعنى الفساد [1] انتهى مختصرًا.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة، ولأهل العلم في ذم الكبر وأهله والتحذير منه كلامٌ كثير لا يسعه المقام، و سأذكرُ منه نُتفًا موقظة لذوي الألباب ..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (معصية الكبر والعجب والرياء، أعظم من معصية شرب الخمر، فالشارب الخاشع الخائف من ربه، أقرب إلى رحمة ربه من الصائم المتكبر المعجب المرائي، فمن ظن أن الطاعة صور الأعمال فهو جاهل، بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء، والإخلاص لله، والشكر، وغير ذلك، أعظم مما يتناول طاعة البدن كالصيام والقيام والصدقة [2] .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: (أول ذنب عصى الله به أبوا الثقلين: الكبر والحرص، فكان الكبر ذنب إبليس اللعين، فآل أمره إلى ما آل إليه، وذنب آدم على نبينا وعليه السلام كان من الحرص والشهوة فكان عاقبته التوبة والهداية، وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار، وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه، والاعتراف به والاستغفار.

(1) مرقاة المفاتيح (8/ 3192 - 3193) .

(2) الرد على الشاذلي (ص 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت