وقد صدق من وصف المتكبر بالغباء والحمق، إذ لو لم يكن كذلك لعرفَ حقيقة نفسه، وعَلِمَ مقدارها! فما تأتى جهله الحاملُ له على الكبر إلا من ذينك الوصفين!!
وكلما زاد المتكبر في كبره، وأفرط في مجاوزة حدِّه، وبالغ في الانتفاخ والانتفاش، كان ذلك دلالة على عِظَمِ حظِّه منهما، وضآلة نصيبه من مُقابلهما أو انعدامه!!
قال الماوردي رحمه الله: (ولو تصور المعجب المتكبر ما فطر عليه من جِبِلَّة، وبُلي به من مِهنة، لخفض جناح نفسه، واستبدل لينًا من عتوّه، وسكوتًا من نفوره [1] .
وقد تكلم أهل العلم عن ما يصيب من لم يُوفق من أهل العلم من هذا الداء، وما ينتجه ذلك على لسانه من قول، أو على جوارحه من فعل، ليعرفه بذلك من يراها منه، وذكروا كذلك ما يقوم بقلب المتكبر من اعتقاد وما يرد عليه من واردات ليعرف نفسه المتكبر وما أصابها من هذا الداء، هذا إن أراد السلامة والنجاء، فمن ذلك ما قال العز بن عبد السلام رحمه الله في اختصاره لكتاب الرعاية، وأصل الكلام للحارث المحاسبي رحمه الله:
(من أعجب بعلمه تكبر على من هو دونه في العلم، وعلى العامة، وينتهر من يُعَلِّمُه، وإن وعَظَ عنَّف، وإن وعِظَ أنِف، وإن أُمِر بالحق لم يقبله، وإن ناظر ازدرأ بمناظريه، وينقبض عن الناس ليبدؤوا بالسلام، ويُسخرهم في أغراضه، ويغضب على من لم يقم بحوائجه! فمن المتكبرين من يجمع بين هذه الخلال القبيحة لفرط غفلته عن الله عز وجل، ومنهم من يعامل الناس ببعض ذلك [2] .
وقال الغزالي رحمه الله: (وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء! فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم فيستعظم نفسه، ويستحقر الناس، ويستجهلهم، ويستخدم من خالطه منهم، وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم، فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم [3] .
وقال أيضًا: (وأما العُجب والكبر والفخر: فهو الداء العضال، وهو نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام، وإلى غيره بعين الاحتقار والذل، ونتيجته على اللسان أن يقول: أنا وأنا كما قال إبليس اللعين: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} .
(1) السابق (ص 238) .
(2) مقاصد الرعاية (ص 142) .
(3) موعظة المؤمنين (ص 245) .