الصفحة 93 من 146

ولهذا كان بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم يكرهون الوعظ والتذكير خوفًا من أن يقولوا ما لا يفعلون، أو يقعوا فيما نهوا، ويقصروا فيما أمروا [1] !!

قال ابن رجب رحمه الله: (لما حاسب المتقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتذكير، قال رجل لابن عباس: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال له ابن عباس: إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل، وإلا فابدأ بنفسك، ثم تلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ، وقوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} ، وقوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} .

قال النخعي: كانوا يكرهون القصص لهذه الآيات الثلاث.

قيل لمطرف: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل .. [2] .

وأمرُ الناسِ بالمعروف مع اجتنابه، أو نهيهم عن المنكر مع اقترافه، مدعاةُ استخفافِ المأمور والمنهي بالآمر والناهي، وعدم انقيادهما لمقتضى الشرع.

قال ابن رجب: (قال بعضهم: لا تنفع الموعظة إلا إذا خرجت من القلب فإنها تصل إلى القلب، فأما إذا خرجت من اللسان فإنها تدخل من الأذن ثم تخرج من الأخرى.

قال بعض السلف: إن العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا، كان يحيى بن معاذ ينشد في مجالسه:

مواعظ الواعظ لن تقبلا ‍ ... حتى يعيها قلبه أولا

يا قوم من أظلم من واعظٍ ‍ ... قد خالف ما قاله في الملا

أظهر بين الناس إحسانه ‍ ... وبارز الرحمن لما خلا [3] .

(1) قال السفاريني رحمه الله:(وقيل للحسن البصري: إن فلانًا لا يعظ ويقول أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟ ود

الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر!!

-قال السفاريني-: والحاصل أنه يجب على كل مؤمن مع الشروط المتقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو فاسقًا، أو بغير إذن ولي أمر، ...

حتى على جلسائه وشركائه في المعصية، وعلى نفسه فينكر عليها، لأن الناس مكلفون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. )

[غذاء الألباب: 1/ 219] .

(2) لطائف المعارف (ص 18) .

(3) لطائف المعارف (ص 17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت