ويقول رحمه الله: (فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أن مصيبته إلى الأبد!! وأنه أتمُّ الناس نقصًا!! وأعظمهم عيوبًا!! وأضعفهم تمييزًا!! وأول ذلك أنه ضعيف العقل! جاهل! ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يُقَدِّرُ أن عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض [1] .
وبعد،، فهذه بعض صفات صاحب التبصير، ولم أستقصِ لا في ذكر الصفات، ولا في ذكر ما يدل عليها من كلامه، فلا زالت اليد مليئة! وفي الجُعبة أُخريات خبيئة! وثمّ ما أتحفَّظُ عن ذِكره حتى يتيسر لي استقراءُ كلامه استقراءً كُليًا! وبعدها لي معه شأن.
ألا من استخفَّ بالناس واستطال عليهم بغير حق، فليتصبَّر على استخفافهم به بالحق!! وليتجلّد على حطِّهم عليه، وإشاعةِ مساويه، كما تجلّد بالباطل على الاستنقاص لهم والتشويه!! فليستَحْلِ المُرَّ في الجزاء كما استحلاه في الابتداء!!
وذا قدَرُ الحقِّ فيمن استهان بالخلق، فليُقِلَّ بعدُ أو ليستكثر ..
وللمعجب بنفسه، أقول ما قاله ابن حزم رحمه الله لمن أصابه ذلك الداء: (هذا الداء القبيح الذي يولد عليكَ الاستخفاف بالناس، وفيهم بلا شك من هو خير منك، فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق! لأن الله تعالى يقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ، فتُوَلِّدُ على نفسكَ أن تكون أهلًا للاستخفاف بك! بل على الحقيقة مع مقت الله عز وجل!! وطمسِ ما فيك من فضيلة!! [2] .
والحمد لله رب العالمين.
(1) السابق (ص 66) .
(2) الأخلاق والسير (ص 67) .