فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 32481 من 53113

إن جُلَّ الترجمات العربية والأعجمية فسرت هذا النص تفسيرًا عجبًا لا يكاد يُعرِب عن معنى ذي فائدة، بل لا يعدو أن يكون رصًّا لجُمَل متنافرة لا يربطها رابط؛ فما هو «يوم الموسم» ؟ وما هو «يوم عيد الرب» ؟ وما معنى «سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد» ؟

وهاك نماذج من هذه الترجمات وأغلاطها:

-النسخة السبعونية اليونانية ( Septuagint) : « لأنهم أُولاءِ يخرجون من بلاء مصر» [1] .

-النسخة الدولية الجديدة ( NIV) : « وإن فروا من الخراب، مصرُ تجمعهم» [2] .

-النسخة القياسية المنقَّحة ( RSV) : « لأنهم أولاء يخرجون إلى أَشُّور، مصرُ تجمعهم» [3] .

إن العجب من هذا التباين سُرعان ما يتلاشى إذا ما رجع الباحث إلى النص العبراني لسفر هوشع ليرى أن الترجمات المختلفة أبعد ما تكون عن الدقة، وإنما أُوكِلَت في كثير من الأحيان إلى من ليس من أهل اللغات «السامية» [4] وإن كان من المختصين بها؛ فتراه يقلِّب معاجم العبرية ويهرع إلى أي معنى يحتمله السياق، وهو لا يمتلك سليقة تدلُّه على المعنى المراد من بين عشرات المعاني أحيانًا. وجُلُّ الترجمات إنما قام بها هؤلاء الأعاجم.

فالنسخة السبعونية اليونانية أضافت كلمة ( talaiporias) التي تعني الشدة والبلاء (أو الخراب أحيانًا) إلى كلمة ( Aiguptou) ( أي: «مصر» ) لتصبح العبارة «بلاء مصر» . ومع أن هذا المعنى مقبول في نفسه إلا أنه لا ينسجم أبدًا مع السجع المقصود في النص كما سيأتي بيانه بعد قليل.

كما نلحظ أن ما اعتبرته النسخة «السبعونية» اليونانية إضافة اعتبرته «النسخة الدولية الجديدة» ( NIV) كلمتين منفصلتين؛ فـ «من بلاءِ مصرَ» تصبح «من الخراب، مصرُ ... » .

أما «النسخة القياسية المنقَّحة» ( RSV) فقد أغربت كثيرًا حتى إن المرء ليتساءل: أي يد خرقاء قامت بذلك؟ فقد ترجمت حرف الجر «مِ» (ومعناه «مِن» ) بـ «إلى» ، وهو عكس المقصود تمامًا! ثم فسرت كلمة «شود» بـ «أشُّور» ، فصارت «يذهبون إلى أشور» . وأي تشابه ثمة بين (ش - د) و (ء - ش - و - ر) في العبرانية حتى يُلْتَمَس العذر للمترجم؟ إنه مثال بيِّن على تحريف المترجمين، لا يمكن تفسيره إلا أنه اتباع للهوى أو جهل مُطْبِق. ولعل قارئًا نبَّه دار النشر إلى هذا الخطأ الفادح فغُيِّر في «النسخة القياسية المنقَّحة الجديدة» ( NRS) إلى «وإن فرُّوا من الخراب» على غرار «النسخة الدولية الجديدة» .

لقد كانت اللغة العبرانية لهجة من اللهجات العربية القديمة كالسبئية والثمودية، تَحدَّث بها الكنعانيون العرب الذين قطنوا فلسطين. ثم اتخذها اليهود لسانًا لهم، وأسمَوها «سِفَّت كنَعَن» ؛ أي «لسان كنعان» كما يشهد لذلك سفر إشعياء (19: 18) . لكنها لما فقدت علاماتها الإعرابية - كحال كثير من اللهجات العربية القديمة - أصبح من الصعوبة تحديد المعاني بدقة كما في النص الوارد أعلاه؛ فلو كانت كلمة «مصرايم» تحمل علامة رفعٍ لعُلِم أنْ ليست متعلقةً بـ «شود» (أي: «بلاء» ) ، بل هي جملة مُستأنَفَة. وفي هذا تقول الموسوعة البريطانية «كان للغة السامية [العربية الأُم] في الأصل ثلاث حالات: (الرفع، والنصب، والجر) . لكن العلامات الإعرابية التي ميزت تلك الحالات لم تُحفظ حفظًا كاملًا إلا في بعض اللهجات الأكَّادية وفي العربية الفصحى» [5] .

أعود فأقول: إن القارئ للفِقْرتَين (5 و 6) في أصلهما العبراني لا يغيب عنه ما فيهما من تناظر وسجع تنتظم به الجمل تلقائيًا دون تكلُّف أو تعسُّف. يقول النص:

مِصرايم تِقبِّصِم [6] (مصر تحشرهم)

موف تِقَبِّرِم (موف تقبرهم)

مَحْمَد لِخَسْبَام (نفيس فضتهم [؟] )

قِمُوش يِيراشِم (القريص [7] يرثهم)

حُوَح بأُهُليهم (العوسج في منازلهم)

فيلحظ أن الجمل الثلاث الأُولَى تبدأ بالميم، كما أن كل جملة تنتهي بميم الجمع التي تقابل «هم» في العربية، وهو نظم يذكرنا بجرس الموَشَّحات الأندلسية.

فتبين عند اتباع النظم الصحيح للنص أن «مصرايم» في محل رفع مبتدأ وليست مضافًا إليه كما اقترحت النسخة السبعونية. فلما أخطأت النسخة السبعونية في اعتبارها « [مِـ] شُّود مصرايم» مضافًا ومضافًا إليه، ترتب على ذلك أن أعادت صياغةَ الفِقْرتَين بعدها على النحو التالي:

تقبصم موف (تحشرهم موف)

تقبرم محماس (تقبرهم محماس [؟] ) [8]

لخسبام قيموش ييراشيم (أما فضتهم فيرثها الخراب)

حوح بأُهُليهم (ويكون العوسج في خيامهم)

وبهذا أفقدت النسخة السبعونية النص نَظْمَه وإيقاعه، بل أخلَّت - كغيرِها من النسخ - بقواعد الإعراب في الجملة الثالثة كما سأبيِّنه في الجزء الثاني من المقال، إن شاء الله.

ـ الحواشي ـــ

[4] درج وصف «السامية» على الألسن رغم خطئه، والصواب أن يقال: «اللغات العربية القديمة» أو نحوه.

[6] من «قبص» العبرانية (ويقابلها في العربية «قبض» ) بمعنى «جمع» أو «حاز» .

[7] أو القُرَّاص، وهو نبات.

[8] وهو تحريف للكلمة الأصلية «م - ح - م - د» كما سأبينه في الجزء الثاني إن شاء الله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت