فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 34210 من 53113

ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنا , وإلا فهو واهب الأنفس والأموال , وهو مالك الأنفس والأموال. ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريدًا ; وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها - حتى مع اللّه - وكرمه فقيده بعقوده وعهوده ; وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة ; ونقضه لها هو مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة:. .

شر البهيمة. . (إن شر الدواب عند اللّه الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) . .

كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء.

ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم ; ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم , أو يحسونها مجردة في مشاعرهم. كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها. لتحويلها إلى حركة منظورة , لا إلى صورة متأملة. .

هكذا أدركها عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - في بيعة العقبة الثانية. قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه عنه , لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - [يعني ليلة العقبة] -:

اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ; وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال:

"الجنة"". قالوا:"

ربح البيع , ولا نقيل ولا نستقيل. .

هكذا. .

"ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل". .

لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين ; انتهى أمرها , وأمضي عقدها , ولم يعد إلى مرد من سبيل:"لا نقيل ولا نستقيل"فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار ; والجنة: ثمن مقبوض لا موعود!

أليس الوعد من اللّه ? أليس اللّه هو المشتري ? أليس هو الذي وعد الثمن. وعدًا قديمًا في كل كتبه:

(وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن) . .

(ومن أوفى بعهده من اللّه ?) .

أجل! ومن أوفى بعهده من اللّه ?

إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن. .

كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين اللّه. .

إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها: (ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . .

(ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرًا) . .

إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه. ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق!. .

بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق. .

إن دين اللّه لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية للّه وحده. ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق. .

بل لا بد أن يقطع عليه الطريق. .

ولا بد لدين الله أن ينطلق في"الأرض"كلها لتحرير"الإنسان"كله. ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقًا!. .

وما دام في"الأرض"كفر. وما دام في"الأرض"باطل. وما دامت في"الأرض"عبودية لغير اللّه تذل كرامة"الإنسان"فالجهاد في سبيل اللّه ماض , والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء. وإلا فليس بالإيمان: و"من مات ولم يغز , ولم يحدث نفسه بغزو , مات على شعبة من النفاق". . . [رواه الإمام أحمد , وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي] .

إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن. كل مؤمن على الإطلاق. منذ كانت الرسل , ومنذ كان دين اللّه. .

ولكن الجهاد في سبيل اللّه ليس مجرد اندفاعة إلى القتال ; إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال. والمؤمنون الذين عقد اللّه معهم البيعة , والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة:

(التائبون. العابدون. الحامدون. السائحون. الراكعون الساجدون. الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. والحافظون لحدود الله) . .

(التائبون) . .

مما أسلفوا , العائدون إلى اللّه مستغفرين. والتوبة شعور بالندم على ما مضى , وتوجه إلى اللّه فيما بقي , وكف عن الذنب , وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك. فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلاح.

(العابدون) . .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت