فهرس الكتاب
المذاهب، وتبصر في بعض كتب متأخري الأصحاب، كالإقناع، والمنتهى عند الحنابلة، لكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل، ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له التقليد أيضًا؛ إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة آية: 286] .
ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة، وذلك لقول الله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل آية: 43] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"1؛ ولكن هذا لا ينبغي له التسرع إلى إفتاء غيره، فإن دعت الحاجة إلى فتواه، فهو إخبار عن مذهب إمامه الذي ينتسب إليه، لا فتيا؛ قاله جماعة من الأصحاب; وعليه أن يتقي الله ما استطاع، فإن كان له فهم قوي وإدراك، بحيث إذا نظر المسائل الخلافية، ورأى أدلة كل من المختلفين، وكان فيه ذكاء وفطنة، يدرك بها الراجح من المرجوح فيما يراه، عمل بما ترجح عنده؛ فإذا كان طالب العلم متمذهبًا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلًا مخالفًا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له معارضًا، فخالف مذهبه وتبع ذلك الإمام الذي أخذ بالدليل، كان مصيبًا؛ بل هذا هو الواجب عليه، ولا يخرج بذلك عن التقليد، فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إمامًا بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض.
1 أبو داود: الطهارة (336) .