ولما كان يوم السبت الثالثَ عشَر من ربيع الأول، ركبَتْ عساكرُ تمرلنك وتكردسوا على المسلمين وركسوا، وصبرَ المسلمون على ذلك صبرًا عظيمًا، وابتُلُوا بلاءً مبينًا، ثم ضعُفَت قلوبُهم وبالهُم، وتشتّت شملهم وتلاشَت أحوالهُم، إلى أن ولَّوا مدبرين، وطلبوا أبواب المدينة هاربين، فتزاحموا على الدخول في الأبواب، حتى هلكَ خلقٌ كثيرٌ على الأعتاب، ووقع في المدينة الهرجُ والمرج، وارتفعتْ أصواتُهم بالنَّوح والضجّ، واجتمعت نساؤهم في الجامع الكبير، وتزاحم الكبير على الصغير؛ فكأنهم وقد نفخ فيهم الصور، وحُشروا إلى يوم النشور، فبينما هم في هذه الداهية الدهماء، وإذا هم بالتمرلنكية لحقوهم بالسيوف السود، وركبوا أقْفِيتهم إلى أنْ دخلوا مدينتهم، فتفرقوا في أزقَّتها وهم ينهبون، وشرعوا يقتلون ويأسرون، ويخربون ويحرقون، فأذاقوا أهل الشهباء من أنواع العذاب، من القتل والعصر والكي والعقاب، ولله درُّ من قال:
على حلبَ الشهباء حلّتْ مصائب ... بأيدي تمرلنكَ ومغلَ وجقطاي
مِنْ آل هلاوز وباطو وجنكز ... وإلغاز وقازان وبيد وطقطاي
وطوسى وخربندا وننجى وكتبغا ... نويس وصمغار وقيدو وبولاي
وروس ونكداد وبلطد وطلسبا ... وطولوا وسور وزيخى ونوغاي
ولم يزالوا في أزقَّتها جاثمين، وفي دماء المسلمين عائمين، فقتلوا خَلقًا لا يُحصى عددُهُم من الصغار والكبار، غيرَ من ماتَ من الأطفال تحت سنَابك الخيول من الدوس والعثار، وغير من مات من النساء في أبواب الجوامع وسوق البلاط، ومن مات من شدة الرعب وكثرة الصياح والعياط.
ثم اشتغلوا بنقْبِ القلعة وتخريبها، وصَرفِ المياه عنها وسيْبِها، وذلك بعد أن تحصّن بها أمراؤُها ونائبها، ونوابُ القلاع الشامية ممّن ذكَرناهم سالفًا، ونزل تمرلنك في السلطانية التي تجاه باب القلعة، ثم إنه أرسل للأمراء وغيرهم وغَشَّهُم، إلى أن اطمأنّوا إليه وأقبلوا عليه، فنزلوا واحدًا بعد واحد،