وأما ثالثًا: فلأنهم منكرون أنه كلام الله، فهم فسروا على تسليم أنه تفسير كلام كاذب عندهم.
وأما رابعًا: فلأنه يحتمل أن سكوته أراده لإغاظتهم وتحزينهم؛ فإنه يعلم أن بقاءه يومًا واحدًا مما يسوءهم ويحزنهم فضلًا عن أعوام.
وأما خامسًا: فلأنه معلوم أن هذا ليس من لغته ولا لغة قومه، فكأنه يقول: إذا كان عرفًا لكم أو لغة عندكم فأنتم تعلمون أنه ليس لغةً لنا ولا هو عُرفنا، وإنما هو شيء جئتم به من تلقاء أنفسكم، فلا يُنكر عليهم أن يتعارفوا بينهم بأي لفظ [1] .
فإن قلت: ومن أين علمنا أنه ليس من لغته ولا لغة قومه؟!
قلت: عرفناه بأنه لم يأت حرف واحد عن صحابي ولا تابعي بهذا، مع أنه قد نقل إلينا تفاسيرهم لكلام الله، بل هذا معلوم يقينًا أنه ليس من لغة العرب فقد دونها أئمة اللغة وبذلوا فيها وسعهم وتتبعوها في البوادي وغيرها، ولا تجد كتابًا لغويًّا فيه شيء من هذا، وأن الحرف مُسَمَّاهُ كذا من العدد هذا أمر مقطوع بعدم وقوعه لغةً فتعين أنه أمر اصطلاحي لا حجر فيه ولا ضير على متعاطيه، ونهي ابن عباس عنه، وأنه من السحر يدلُّ أنه عَرَفَ أنه
(1) ظفرت نحوه من كلام ابن عاشور في «التحرير والتنوير» (1/194-195) ، قال: «وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لاعتبارها رموزًا لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيدًا لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل، ومرجعها إلى المنع والمانع لا مذهب له، وأما ضحكه - صلى الله عليه وسلم - فهو تعجيب من جهلهم» .
وتعقبه الدكتور محمد بدري عبد الجليل في كتابه «براعة الاستهلال في فواتح القصائد والسور» (ص 135) ، فقال: «وهو تحميل للكلام ما لا يحتمل، فما لهذا كان إيرادهم، ولا هكذا كان فهمهم، ولا عن هذا كان حديثهم، وإنما هو يخلع على النص ما ليس له، ولم يستنبط منه ما به» .
قلت: تذكر أن القصة لم تثبت، وهذه توجيهات على فرض صحتها!