استولى تمرلنك بعسكره عليها، ونزلوا في حواليها.
وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين صبيحة الليلة التي رحل فيها السلطان، نهض الشاميون وقاتلوا مع عسكر تمرلنك قتالًا عظيمًا، فقُتل منهم ناسٌ كثير، فلما كان يوم الإثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ملَك تمرلنك دمشق وفتحوا الأبواب، وولى على كلِّ باب شِحْنَةً، ونادى بين الناس بالأمان والاطمئنان حتى سكن أهل المدينة، وكلُّ ذلك مكر منه وحيلة وخبث وخديعة، ثم شرَع في حصار القلعة، ونصب عليها مجانيق [1] من نواحيها، فنصبوا منجنيقًا في وسط جامع بني أمية وقفلوا أبواب الجامع، ولم يُصَلَّ فيه الجمعةُ بعد دخول تمرلنك الشام إلا مرة واحدة، ونصبوا منجنيقًا آخر في ناحية حكر السماق، وآخر في ناحية الصالحية، وآخر في ناحية العقَبة، وآخر من ناحية التربة، ورسم بالنُّقوب، وصرف ماء الخندق، فنقبوا إلى أن علقوا البرج الذي عليه الطارمة وهدّوه، وزحفوا زحفًا عظيمًا، فقُتل من جماعة تمرلنك خلق كثير تحت الردم، ثم لم يزل أهل القلعة في رمي المكاحل والمدافعِ والحجارةِ والقتال ليلًا ونهارًا مدة شهر، ثم لما تعبوا وضجروا وخافوا على أنفسهم لعدم من يساعدهم سلموا، فتسلَّمها تمرلنك يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب، فولى فيها شِحْنةً من جهَته، ومسَك جميعَ مَن فيها ونائِبَهم معهم، وهو الأمير يزدار، وقيّدهم ولم يقتل أحدًا منهم.
ثم شرع في أخذ أموال الناس، فحوّل من القلعة أموالًا لا تُعدُّ ولا تحُصى ولا تحُصر، ما بين ذهب وفضة وقماش وسلاح وأثاث، وغير ذلك من أموال الشاميين والمصريين.
ثم إنه باع دمشق لأهلها ثلاث مرات، في كل مرة بجملة مستكثرة من الذهب والفضة، ... » ، قال:
(1) في الأصل: «مناجيق» !