وهكذا يقال عن إسقاط الحدث قبل إتمام وقوعه، وبمجرد وجود إرهاصاته، أو مقدماته، أو تخييلاته، فضلًا عن التنبؤ والتكهن به؛ فهذا النوع سرعان ما يظهر كذبه [1] ، وهو منهج دخيل على أهل العلم؛ أعني: جعله مطردًا كليًّا ثابتًا حاكمًا يُبنى عليه.
وأما إسقاط الأحاديث على حدثٍ قد وقع فعلًا، فممكن، وقد سبق بيان بعض الضوابط التي يجب مراعاتها عند ذلك، وأنه لا بُدّ لمن يضطلع بهذه المهمة من الاطلاع الواسع على الحديث، وجمع ألفاظه وطرقه، وإذا أردت أنْ تقف على أهمية هذا الأمر؛ فتأمل ما أسنده الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (2/212 رقم 1640) عن أحمد بن حنبل، قال:
«الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا» .
وما أخرجه -أيضًا- (2/212 رقم 1641) عن علي بن المديني، قال: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه» .
كما أنه لا بُدّ لمن يضطلع بهذه المهمة من معرفة وقائع التاريخ وأحداثه، وما ثبت منها أو كان منتحلًا، ولا بُدّ له من مراعاة العربية، ومعرفة أساليبها، وطرق دلالاتها، وفهم النصوص على ضوء ذلك، فالمولعون بالإسقاط اليوم أهملوا ذلك، ومضت نماذج من أخطائهم، يمكن أنْ يكون بعضها ملحقًا بـ (بدع التفسير) ، و (مسالك أهل البدع في الاستنباط) ، بل لا أجاوز الحقيقة إنْ قلت: إنّ بعضها يصح أنْ يكون ملحقًا بكتاب «أخبار الحمقى والمغفّلين» !
(1) وهو يشبه من هذه الحيثية تسليط الثابت من المعلومات التاريخية على الرواية حين الشك فيها؛ فاستعمال ميزان التاريخ في محاكمة الرواة أمر معلوم، ينظر له بتفصيل: «منهج النقد عند المحدثين» للدكتور محمد مصطفى الأعظمي (ص 50-79) ، و «نقد الحديث بالعَرْض على الوقائع والمعلومات التاريخية» للدكتور سلطان العكايلة.