نص عليها في مقدمة صحيحه ـ يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب (التمييز) له ـ وهو في العلل ـ ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.
فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق لحديث «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، ليس فيها هذا اللفظ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راوٍ مختلفٌ فيه، وهو بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار [1] ، وخالف بذلك جمعًا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السبّ، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.
تنبيه:
كلمة «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا» هي من كلام بكير لا من كلام سعد، إذ لو كانت من كلام سعد لقال: «أمرني معاوية» . فيكون قد روى بالمعنى وتصرف بالألفاظ. فقد جاء الحديث عند الحاكم عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما: «ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب؟» . فهذا إسناد متصل؛ وليس فيه لفظ الأمر.
ثانيًا: على فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحًا في السب ولا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسَبّ علي - رضي الله عنهم -، وإنما أراد معاوية أن يستفسر عن المانع من سبّ علي، فأجابه سعدٌ عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع ردَّ سعدٍ غضبَ منه ولا عاقبه.
(1) بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار: قال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق» . وقال الذهبي في الكاشف: «فيه شيء» .
وقال النسائي: «ليس به بأس» (وهذا دون التوثيق) . وقال أبو أحمد بن عدي: «مستقيم الحديث» .
وقال البخاري: «فيه نظر» كما في تهذيب الكمال. وذكر له هذا الحديث في التاريخ الكبير (2/ 115) وقال: «فيه بعض النظر» ، وما روى له شيئًا.
وذكره العقيلي في (الضعفاء 191) . وقال ابن حزم في المحلى (9/ 47) : «بكير بن مسمار ضعيف» .
وقال عنه الذهبي في (المغني في الضعفاء 1/ 180) : «صدوق، ليَّنَه ابن حبان البستي وابن حزم، وقال البخاري: فيه نظر» .