قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال) ، فلا تنظر إلى من هو أحسن منك في الخلْق، فقد تكون أنت ضعيف البنية، ولكن أعطاك الله عز وجل من نعمته صحةً، وإن كنت أقل من غيرك.
لو أنك لو نظرت إلى من هو أقوى منك، وإلى من هو أكثر منك صحة، فستحسد هذا الغير، وتستقل نعمة الله سبحانه وتعالى عليك، لذلك جاء في رواية أخرى لهذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) .
إن ازدراء نعمة الله هو: احتقار نعمة الله سبحانه وتعالى، فلو أنك نظرت إلى من هو فوقك دائمًا فإنك تتعب نفسك وقلبك وتقول: إن فلانًا أحسن مني، أو أقوى مني، ومهما نظرت إلى الإنسان القوي ستجد من هو أقوى منه، فإذا كان في الإنسان من هو قوي، ففي الحيوان من هو أقوى منه، وإذا كان في الإنسان من هو جميل، ففي الحيوان والطير من هو أجمل منه، فالله سبحانه وتعالى يقسم بين خلقه كما يشاء سبحانه وتعالى، فلا تنظر إلى من هو فوقك نظرة الحسد ونظرة تمنٍّ لزوال ما عند الناس.
فالممنوع هو النظر إلى من هو فوقك في الخلق، وفي القوة البدنية، وفي المنظر وفي الصحة على وجه الحسد لهذا الإنسان، ولكن لا مانع من أن تنظر إلى من هو أفضل منك في الخلُق، فتقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان، فهذا شيء مطلوب شرعًا.
قال في الحديث: (أو المال) ، فلو أن إنسانًا غنيًا عنده ألوف نظر إلى من عنده ملايين فسيحسده، ويقول: لماذا فلان عنده ملايين وأنا لست مثله، والذي عنده ملايين لو نظر إلى الذي عنده مليارات فسيحسده وهكذا، فكل إنسان لو نظر إلى الذي فوقه فسيحسده على ما هو فيه.
يقول سبحانه: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:131] .
فإذا عرفت أن الله قد يعطي أناسًا ليفتنهم في هذه الدنيا فستقول: الحمد لله الذي لم يعطن هذا الشيء؛ حتى لا يفتنّي في هذه الدنيا، ولا تحسد غيرك.
فهنا يأمرك النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا أردت أن تنظر فانظر إلى من هو أسفل منك، فقال في الحديث في الرواية الأخرى: (انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) ، فعندما تنظر إلى الأقل منك تعلم أنك في صحة وعافية، فانظر إلى المرضى وقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، وفضلني عليكم وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلًا، فيكون أجدر أنك تحمد الله سبحانه وتعالى، ولا تحتقر نعمته عليك.
وأيضًا في المال: انظر إلى من هو أفقر منك، فتعلم أن الله أعطاك مالًا، وأعطاك نعمًا، وتعلم أنك إن تغديت وتعشيت فغيرك لا يلقى مثل هذا الشيء، فأنت أفطرت وتسحرت وغيرك لو فطر لعله لا يتسحر، فتقول: الحمد لله؛ لقد أعطاني الله سبحانه وفضلني على كثير من خلقه.