دلالتهما، فإذا فرض اتفاق لغتين في حقيقة لفظ واحد ومجازه وكنايته بحيث يترجم أحدهما بالآخر .. فلن يمكن مثل هذا في الأوضاع الشرعيّة، كالألفاظ الموضوعة في القرآن لصفات الله تعالى وغير ذلك من «عالم الغيب» .. ولذلك ذهب بعض علماء اللغات وعلماء الاجتماع إلى استحالة قيام لغة مقام لغة أخرى في آدابها ومعارفها ومعانيها العقليّة والشعريّة. مثال ذلك الألفاظ الموضوعة ليوم القيامة، وهى كثيرة، كل لفظ منها له معنى تدل عليه مادته العربيّة، وهذا المعنى مراد لتحققه في ذلك اليوم
كالواقعة والطامة والصاخة والحاقة والغاشية .. إلخّ.
وقد نرى مفيدا في هذا الصدد أن نورد تفصيلا آخر للنيسابورى، الذى قلنا إنّه عارض في «غرائب القرآن» الترجمة قائلا:
«وكيف يجوز عاقل قيام الترجمة بأى لغة كانت، وهى كلام البشر، مقام كلام خالق القضاء والقدر؟ قالوا: روى عن عبد الله بن مسعود أنّه كان يعلم رجلا: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) . والرجل لا يحسنه، فقال: قل: طعام الفاجر. ثم قال عبد الله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم، الحكيم، إنّما الخطأ بأن تضع آية الرحمة مكان آية العذاب. قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك، قالوا: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ- إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى. ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأوّلين، لكن بالعبريّة والسريانيّة. قلنا إن القصص والمواعظ موجودة، لا باللفظ، بل بالمعنى، ولا يلزم أن يكون الموجود فيها قرآنا، فإن النظم المعجز جزء من ماهيّة القرآن، والكل بدون الجزء مستحيل» 26.