الصفحة 104 من 121

كانت نظرة الأسد إلى الشيعة أكثر إيجابية وتأييدًا، وكان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية نسخة من كفاحه هو في سوريا، وفي إحدى المناسبات في أوائل الثمانينيات طلب وفد من زعماء المسلمين السنة في بيروت مساعدة الأسد ضد جموع الفلاحين الشيعة التي تزحف على مدينتهم وتهدد بتغيير طابعها، فلم يظهر الأسد تعاطفًا مع هذا الطلب، وذكَّر زائريه بأنه هو نفسه كان فلاحًا أطاح بسلطة وجهاء المدن (17) .

وكان حزب البعث مدركًا منذ وصوله إلى السلطة عام 1963م للقاعدة الضيقة للنظام؛ فإن علويي سورية (النصيرية) سعوا للوصول إلى توازن قلق بين الحصول على الاعتراف بوضعهم المعلن ذاتيًا فرعًا من المذهب الشيعي الإثني عشري وبين الحفاظ على هويتهم. لذا فإن الدور السياسي للعلويين بصفتهم قاعدة للسلطة الحزبية قد ساعد في إبراز مشكلة"إضفاء الشرعية"العلوية، وأضاف بعدًا إلى السياسة السورية، ومن هنا كانت أهمية العلاقات مع شيعة لبنان وإيران على التوالي.

بالنسبة للشيعة اللبنانيين فإن البحث العلوي عن الشرعية كان يسير في توازٍ مع حاجة الشيعة إلى حليف خارجي يُعتمد عليه، ولقد تعززت هذه العلاقة من وقت لآخر بفعل الروابط الشخصية الحميمة بين قادة الطرفين، كما تمثلت العلاقة بين الرئيس السوري وموسى الصدر في أوائل السبعينيات، ويمكن النظر إلى فتوى الصدر باعتبار العلويين اللبنانيين المحليين شيعة في أيلول 1973م على أنها إيماءة شخصية وسياسية على درجة عالية في الوقت ذاته باتجاه القيادة السورية، هذه الإيماءة تناغمت بشكل بارع مع هدف الصدر في الحفاظ على روابط قوية مع سورية بصفتها ثقلًا موازنًا قويًا للأطراف الأخرى في المرجل اللبناني، وكانت هامة أيضًا في سياق اهتمام سورية الخاص بالطائفة الشيعية اللبنانية البادئة النمو والتجذر.

إن الفحوى السياسية لقضية الشرعية قد لعبت دورًا هامًا في تطور العلاقات السورية الإيرانية، ويمكن ـ في الواقع ـ النظر إليه على أنه المحرك الرئيس لنشوء التحالف بين البلدين. لقد ساعدت هذه الصلة في تأسيس لبنان باعتبارها نقطة تقاطع هامة بين العنصر الاجتماعي ـ الديني للعلاقات الشيعية ـ العلوية والمصالح الإقليمية والاستراتيجية لكل من سورية وإيران (18) .

وقد قدم موسى الصدر خدمة جليلة للنظام السوري أثناء حربه مع القوات الوطنية المتحالفة عام 1976م؛ حيث طالب الشيعة بعدم الانضمام إلى هذه الجبهة، أما حركته ـ حركة أمل ـ فكفت يدها عن النصارى والنصيريين!! وبذلك فقدت الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيون أحد الدعائم التي كان من الممكن أن تغير الوضع في لبنان (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت