الصفحة 6 من 121

قال ابن الجوزي رحمه الله: (هذه أخوة الإسلام فإن كل اتفاق بين شيئين يوجب اسم أُخُوَّه، وقوله"لا يُسلمه"أي لا يتركه مع من يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه) [كشف المشكل: 2/ 484] .

وعند مسلم من حديث أبي هريرة: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله) .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) أخرجه أبو داود.

قال النووي رحمه الله: (قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي) [شرح صحيح مسلم:16/ 120] .

ومعلوم متقرر أنه لا يصح إسلام المرء إلا بموالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين، فالمؤمن ولي المؤمن، والكافر ولي الكافر، كما قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] ، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] ، وقال أيضًا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

فالولاء للمؤمنين ملزوم محبتهم، والبراء من الكافرين ملزوم بغضهم وكراهيتهم، وانتفاء اللازم أو نقصانه يدل على انتفاء الملزوم أو نقصانه، ومعلوم عند كل عاقل أنه لا يكون الحب تامًا مع خذلان الحبيب، ولا يكون البغض تامًا مع تخلية الحبيب للبغيض، فالحب التام للمؤمنين يستلزم موالاتهم ونصرتهم ومعاونتهم ومؤازتهم، والبغض التام للكافرين يستلزم البراءة منهم وعداوتهم ونصرة المؤمنين عليهم .. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله) .

فمن خذل المؤمنين وترك نصرتهم على الكافرين من غير مانع، فحبه وبغضه وولاؤه وبراؤه كلها خداج غير تمام ..

ولهذا كان من صفات المنافقين خذلان المؤمنين في مواطن البأس، كما انخذل رأس النفاق الأول عبدالله بن أبي بن سلول عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد بثلث الجيش، وقالوا لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، فأكذبهم الله وكشف سترهم، وقال مخاطبًا عباده المؤمنين {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 166 - 167] .

تلك هي المهمة الأولى التي ينبغي أن يستحضرها كل مسلم.

وثاني المهمات: أن لا ننسى أو نتناسى أن حكام الجزيرة كفرة مرتدون، مرقوا من دين الله من أبواب شتى، وولجوا الكفر من أبواب متفرقة، فبدلوا شريعة الله، واستحلوا محارمه، وعطلوا حدوده، واتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وحاربوا أهل الإسلام، وحموا أهل الشرك والصلبان، فكفرهم ظاهر واضح لكل ذي بصيرة ..

ومعلوم أن الحاكم لا يكون حاكمًا إلا بقوة وشوكة وأنصار وأعوان توطد له حكمه وتنفذ أمره، فأمر الحاكم ونهيه لا نفاذ له إلا بشوكتهم، فهم يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولسانه الذي ينطق به، ولولاهم ما كان حاكمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت