فهرس الكتاب
وكان من الطبيعي أن يتوجه الجهد العسكري لمحاربة الاحتلال وتطهير الأرض اللبنانية من"رجس اليهود"والسعي إلى إخراجهم من"الأرض المقدسة"إلا أن ذلك لم يكن هدف الحركة!!
يقول وضاح شرارة: لم يصرف الإسلاميون اللبنانيون - والقيادة الإيرانية من ورائهم - جهدهم إلى عمليات ضد الإسرائيليين وقوات احتلالهم، في الأشهر الأولى التي أعقبت صيف 1982؛ فمصدر الخطر الأول على"مجتمع الحرب"أو"الحالة الجهادية"، يومذاك ليس الاحتلال الإسرائيلي!! فكان المصدر الذي يتهددها هو استقرار الدولة اللبنانية وحملها اللبنانيين على تسليم أمورهم وشؤونهم إليها وإقرارهم بشرعيتها، وهذا ـ أي التسليم والإقرار بالشرعية ـ ما كان يبعد أن يحظى به الاحتلال الإسرائيلي.
ويبرز الفرق جليًا بين الإسلاميين وبين الأحزاب والقوى السياسية التي أمدت المقاومة الوطنية اللبنانية بالمقاتلين والسلاح والخطط، في هذه المسألة، وما احتجاج الشيوعيين اللبنانيين على سبقهم في هذا الميدان إلا إمعانًا في الغلط، وفي التعامي عن الاختلاف في تقدير الأوضاع؛ فذهب الحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعض فصائل حركة"أمل"، والمرجح أن قسمًا من الفلسطينيين تابعهم على رأيهم، إلى أن الأمر الملحّ والداهم هو عرقلة الاحتلال الإسرائيلي، والحؤول دون استتبابه، والمضي على المقاومة التي جابهت العملية الإسرائيلية، ولو اختلف في تقويم هذه المقاومة؛ وعقدت الأحزاب والمنظمات آمالها على قيامها بـ"حرب التحرير"هذه، ورجت أن تقطف ثمار عملها قوة جديدة تمكنها من أخذ موقع سياسي راجح في الميزان اللبناني.
اطَّرح"الإسلاميون"هذا الرسم من غير مواربة ولا تأخر، فقدَّموا على سائر المهمات والأعمال مهمة الحؤول بين الأبنية السياسية والإدارية اللبنانية وبين انتزاع الاعتراف بشرعيتها من جديد؛ والسبب في ذلك أن مثل هذا الاعتراف يحكم على الإسلاميين وفيهم، وعلى غيرهم، بالخروج على الشرعية، وعلى ما هو مُجمَع عليه، ويدينهم بعرقلة مسيرة السلم والعودة إلى الحياة السياسية الآمنة. ودفع الإسلاميين لهذا الإطراح عواملُ كثيرة، منها: أنفتهم من تناول الأمور تناولًا وطنيًا ومحليًا، ومنها بروز الوجه الإقليمي والدولي للحرب الإيرانية والعراقية، واختبار قادة طهران جدوى التعبئة الجماهيرية عسكريًا وسياسيًا وانتقالهم بعد ربيع وصيف 1982م إلى مرحلة الهجوم، وسعيهم إلى انتزاع مكاسب إقليمية ثابتة في نهاية هجومهم المأمولة.