فهرس الكتاب
ولم يكن خافيًا أن استقرار أبنية الدولة اللبنانية تبع لمساعدة أمريكية وأوروبية تحوط هذه الأبنية، وترعى ذراعها المسلحة، وتحول بين القوى الإقليمية والمحلية وبين بعثها المعاقل التي تقطع جسم الدول. ولما كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، من وجه آخر، تقف عائقًا دون إحراز القوات الإيرانية انتصارات عسكرية تقوض النظام الإقليمي في الخليج، تحالفت السياسة الإيرانية والسياسة السورية، والمصالح المحلية على ضرب القوة الأوروبية والأمريكية التي تملك حوط الدولة اللبنانية وإحباط الانتصارات الإيرانية معًا.
وضربُ مثل هذا الغرض ـ القوات المتعددة الجنسية (34) ـ قمين إذا ما أفلح - بحرمان الدولة اللبنانية الرعاية التي لا قيامة لها من دونها، وبإباحة لبنان أرضًا ومجتمعًا للمعاقل المختلفة، وهو قمين أيضًا بإطلاق اليد السورية في غير ناحية من لبنان، وبتعويض التراجع الذي منيت به القوات السورية في صيف 1982م، وبمد جسر إيراني إلى قلب المشكلات العربية يحول دون تأليب الإسلام العربي"السني"عليها، وتحويل إيران إلى قوة عربية عن طريق محاربة القوات الإسرائيلية والعلاقة بالمنظمات الفلسطينية على أرض دولة عربية (35) .
ويعني هذا الأمر، بعبارة أخرى، وفي ضوء الثورة الإسلامية الإيرانية وتجربتها يومذاك، أن الحرب وحدها في مستطاعها أن تظلل إنشاء المعقل الإسلامي، وأن ترد عنه غائلة حياة اجتماعية وسياسية وثقافية مستقرة، لذا كان الإسلاميون الشيعة ذوو الهوى الإيراني والخميني في الصفوف الأولى من كل أعمال الكر والهجوم على"العدو العام": على القوات الإسرائيلية، وعلى الوحدات الأمريكية والفرنسية، وعلى"القوات اللبنانية"، وعلى الجيش اللبناني، وعلى المواطنين اللبنانيين المسيحيين والمواطنين الأجانب، وعلى"جيش لبنان الجنوبي"، وعلى السفارات الأجنبية والعربية، وعلى القوات الدولية، وعلى بعض المواطنين اللبنانيين المسلمين الذين يخالفون الإسلاميين في الهوى والمشارب، وعلى المراقبين السوريين الذين سبق قدومهم الانتشار السوري في بيروت أواخر شباط 1987م، وعلى مسلحي"أمل"بالضاحية الجنوبية في صيف 1988م، وعلى المسلحين الفلسطينيين المتحالفين مع"أمل"في حروب المخيمات الطويلة (1985 ـ 1990م) فهؤلاء كلهم، الذين كانوا أو ما زالوا هدفًا لأعمال الخمينيين الحربية، تسهم حربهم في إنشاء الجيب الإسلامي الإيراني وفي إطالة الأمد الذي يحتاج إليه أصحابه من أجل إرسائه على أسس يظنونها ثابتة.