الخثعمي: من يعدين على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة، ونادى: يالِ حلف الفضول! فإذا هم يعنقون إليه من كلّ جانب، وقد انتصبوا أسيافهم، يقولون: جاءك الغوث، فمالك؟ فقال: إن نبيهًا ظلمني في بنتي وانتزعها مني قصرًا. فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم، فقالوا له: أخرج الجارية ويحك، فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه! فقال: أفعل، ولكن متعوني بها الليلة، فقالوا: لا والله ولا شخب لقحة [1] فأخرجها إليهم) اهـ. مختصرًا من البداية والنهاية.
فالمتأمل لحقيقة هذا الحلف الذي أثنى عليه صلى الله عليه وسلم ومدحه، يرى أنه حلف اجتمع على نصرة المظلوم، بالقوة والسيوف ـ لا بالقوانين الوضعية والتحاكم إلى الطواغيت ...
فإذا كنت يا عرموطي في مهنتك هذه التي استشهدت لها بهذا الحلف تنصر المظلوم بالقوة دون ارتكاب معصية أو تحاكم إلى الطاغوت فاستشهادك واستدلالك سديد. ولن تجد منا من يُعارضك في مثل هذه النصرة، لكنك في مهنتك هذه تعظم محكمة لا تحكم بشرع الله ... وتتحاكم إلى قوانين وضعية كافرة مناقضة لدين الله ... فاختر واحدًا من أمرين ما لك سواهما من ثالث: إما أن تزعم أن حلف الفضول كان فيه ذلك ـ أعني التحاكم إلى قوانين الكفر لرد المظالم إلى أهلها، ولا يصح الاستدلال به هنا إلا إذا كان كذلك وإلا كان قياسًا مع الفارق الكبير، وذلك هو القياس الفاسد ... وإن زعمته لم نقبله منك إلا بدليل والدليل في هذا الموضع معدم ... والقائل بذلك شنّع في الحقيقة على الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يتهمه حينما يمدح حلفًا يتحاكم إلى الطاغوت، وحاشاه له من ذلك صلوات الله وسلامه عليه ... ومن اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدًا كفر، لأنه يتهمه بمدح الكفر، الذي ما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا غيره من رسل الله إلا من أجل الكفر به والبراءة منه ودعوة النّاس إلى اجتنابه ... {ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولًا أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} .
أو أن تقول لم يكن في حلف الفضول شيءٌ من ذلك وإنما كان نصرةً للمظلوم بطرق ليس فيها كفر أو تحاكم إلى الطاغوت ... وهذا هو الحق المبين ... وليس فيه حجة لعملكم ... هذا ما لزِم التنبيه إليه من كلام المحامي المذكور، وليس المقصود من هذا المحل الضيّق التفصيل في مهنة المحاماة وبيان حكم الشرع فيها، إذ ليس هذا محل ذلك، بل ذلك يحتاج إلى نظرٍ وبسط واستدلال أكثر من هذا، وإنما المراد ... ردُّ تلك الشبهة المذكورة، التي وَلَجَ كثير من الدعاة في أبواب متنوعة من الباطل بالاستدلال بها على هذا الوجه الأعوج ...
(1) أي لا نبقيها عندك أي وقت ولا حتى مقدار حَلْبَةِ الناقة.