إن الله جل في علاه خلق الخلق أجمعين وفرق بينهم, وأكرم الخلق على الله جل في علاه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكفى ببركة النبي صلى الله عليه وسلم عند ولادته أن أشرقت الدنيا بأسرها بشمس الإسلام, وأخرج الناس من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد, وكفى بها بركة.
وهذا الذي فقهه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وذلك عندما هاجر معه، فقد كان رضي الله عنه يتقدم أمامه ويتأخر خلفه, ويأتي عن يمينه ويأتي عن يساره, فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب فعله، فقال: أتذكر الطلب فأكون في الخلف, وأتذكر العدو من الأمام فأكون في الأمام وعن يمينك وعن يسارك, ثم قال: إن أنا مت فلا أعدو نفسي, وأما إذا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الرسالة لن تبلغ للناس.
إذًا: فالبركة كل البركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته, وفي كلامه, وفي أفعاله, بل وفي نومه وفي استيقاظه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي, فالصحابة رضوان الله عليهم, تبركوا بكل شيء يمس النبي صلى الله عليه وسلم: بذاته, وأفعاله, وأقواله, كما ورد في الصحيح في صلح الحديبية: (ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها وجهه وجسده؛ تبركًا بأثر النبي صلى الله عليه وسلم, وما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا إلا تزاحموا عليه؛ تبركًا بفضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم) .
وفي صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم فنام عندها فعرق, فأخذت الوسادة التي نام عليها النبي صلى الله عليه وسلم فعصرتها, ففزع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما تفعلين؟ قالت: أتبرك بعرقك يا رسول) فأقرها على ذلك.
والقول الراجح في تفسير هذا الحديث ما ذكره النووي من أن أم سليم كانت من المحارم للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليها، فلما نام وعرق أخذت عرق النبي صلى الله عليه وسلم تتبرك به, فالنبي صلى الله عليه وسلم مدحها لذلك, وأخذ أنس ابنها منها من هذا العرق وكان يتبرك به, وجعل منه حنوطًا له عند موته, وأعطى أنس ثابت البناني من هذا العرق، فأخذ هذا العرق وجعله حنوطًا له, وأخذ أيوب من ثابت من هذا العرق؛ ليتبرك به.
وأيضًا من الأدلة على التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء كن يأتين بالأطفال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, فيأخذ التمرة ويمضغها ويضعها في فم الطفل ويحنكه، ويدعو له بالبركة, وكل ذلك تبركًا بآثار النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا وجدنا أثرًا من آثار النبي صلى الله عليه وسلم فإن لنا أن نتبرك به، وتحل علينا البركة بوجوده، ولذلك كان أحمد بن حنبل يحتفظ بشعرة من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وكان يضعها عند عينه.
إذًا: فقد كان الصحابة يتبركون بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وبأثر النبي صلى الله عليه وسلم, وبدعاء النبي صلى الله عليه وسلم, وبعرق النبي صلى الله عليه وسلم, وكانوا يتبركون بثياب النبي صلى الله عليه وسلم, فقد جاء في الحديث: (أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها وأرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلًا! فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال: فكانت كفنه) فهذا أراد أن يتبرك بتلك البردة.
وكذلك قصة ذلك الصحابي الذي طلب القصاص من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (القصاص, فرفع عن ثوبه, فاحتضن ذلك الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله قد استوى الصفان وما أعلم متى سيكون موتي في هذه اللحظة أو في غيرها، فأردت أن يكون آخر عهد لي في هذه الدنيا أن أمس بطنك) ، فما أفقه هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه! وأيضًا من الأدلة على التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا هريرة تمرات في وعاء أو جراب، وقال: يا أبا هريرة كل من هذه التمرات، لكن لا تحصها -يعني: لا تعدها- وكان الجراب معه في وسطه, فيقول: أبو هريرة ما جعت مرة إلا وأخذت الجراب فوضعت يدي فأخذت التمر وأكلت) يعني: بقي معه مليئًا بالتمر من أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلافة عثمان، وما انتهى في خلافة عثمان، لكن ضاع منه ذلك الجراب، ولو بقي معه إلى ما أحياه الله جل في علاه لم ينفد.
وهذه عائشة رضي الله عنها تقول: كان عندي شعير وكنت آخذ منه للأكل مرة بعد مرة ولم ينفد، تقول: فقلت إن هذا الشعير لا ينتهي! لأكيلن هذا الشعير، فلما كالت الشعير وأحصت هذا الشعير أحصي عليها, ونفد.
فهذه الأدلة كلها تدل على التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم, وبأفعال النبي صلى الله عليه وسلم.