قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] لا والله، فهذا من اعتقادات الجاهلية، فهم يقدحون في حكمة الله جل في علاه، فكانوا ينظرون إلى أفعال الله فينتقصونها ويقدحون في حكمة الله جل في علاه، وتشابهت قلوبهم، وهذا هو دأب الأمم السالفة، فهذا فرعون لما نظر إلى موسى قدح في حكمة الله، كيف يبعث رجلًا مثل هذا يكون نبيًا ويأخذ هذا الشرف.
وهو الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] ، وقال عن موسى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52] ، فهو يرى أن له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، فكيف يأتي موسى ويقول: إنه مرسل من قبل الله رب العالمين.
وأيضًا اليهود أنفسهم لما طلبوا من نبي لهم أن يبعث لهم ملكًا، قال نبيهم: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة:247] يقدحون في حكمة الله جل في علاه: كيف يختار الله هذا ليكون ملكًا علينا؟! فقالوا: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة:247] وكأنهم يقولون لله بلسان حالهم: كيف تختار هذا وهو لا يصلح أن يكون ملكًا ولا يصلح أن يكون نبيًا؟! وأيضًا اليهود أنفسهم عندما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اعترضوا فقال الله تعالى عنهم: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة:142] فسماهم بالسفهاء؛ لأنهم يقدحون في حكمة الله جل في علاه، {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة:142] .
وأول حكمة من ذلك: قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .
الحكمة الثانية: قال: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:143] ، فهذه حكمة بليغة، وسنبين كيف أن الله جل وعلا يخلق الشر لا للشر ولكن ليميز بين الصفين.
وأيضًا اليهود في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ادعوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكاذبين ومن السحرة ومن الكهنة، وما زالوا على ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدم خطوة بعد خطوة، ويمكن الله له في الأرض، وتتسع البقعة الإسلامية، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، ومع ذلك فاليهود لم يؤمنوا، بل ما زال ادعاؤهم على رسول الله بالكذب، وهم أهل كتاب، ويقرءون التوراة والإنجيل ومع ذلك لا يزالون على دعواهم بكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا قدح في حكمة الله جل في علاه؛ لأن من حكمة الله جل في علاه أنه لا يمكن لكافر ولا لساحر ولا لكاهن، فكونهم يقفون أمام النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: هو كذاب، وما زال الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فهذا يدل على أنهم كذبة؛ لأن من حكمة الله جل في علاه أن يبتلي الرسل أولًا ثم يمكن لهم.
فهؤلاء الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأول ما قدحوا فيه أنهم قدحوا في المرسل سبحانه جل في علاه، {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] أي: أن هذا الرسول ليس أهلًا لأن يكون رسولًا، بل لابد أن يكون رجلًا من هاتين القريتين عظيم، فيكون صاحب جاه ومال وأولاد، ويكون صاحب مكانة، فهذا هو الذي يستحق هذه الرسالة على حسب زعمهم، فقدحوا في حكمة الله وكأنهم يقولون: كيف ترسل هذا الضعيف الفقير رسولًا علينا.
وأيضًا قدحوا في هؤلاء الذين من الله عليهم بالإيمان، فقدحوا في حكمة الله جل في علاه عندما قالوا: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53] .
وأيضًا قدحوا في حكمة الله جل في علاه عندما ردوا دين النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله ليفصل هذا الخط ويقول: هذا من الشرك ومن الكفر، فأنتم إذا كنتم تعبدون ربكم فعظموا ربكم، {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح:13] ، ولابد أن تنظروا إلى أفعال الله جل في علاه، واعلموا أن أفعال الله كلها حكم، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بآيات الله جل في علاه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ) ) [المؤمنون:115] ، وأيضًا قول الله تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الأحقاف:3] .
وقول الله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر:5] ، فالله جل في علاه ما خلق الخلق إلا لحكمة جسيمة، فلما طعنوا في حكمة الله خرجوا من دين الله؛ لأنهم نسبوا النقائص لله جل في علاه.
وأما حال ومآل من دخل في هذا الدين ثم رد على الله الحكمة وركب هواه وحكم شهواته، فهذا يخرج من دائرة الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.