إن النبي صلى الله عليه وسلم لتعظيمه لتوحيد الألوهية، ولمكانة توحيد الألوهية -إذ هو أساس الدين وأصله- فقد حمى ما حوله، ولهذا حذر من أفعال قد توقع فيما ينقض أو يُنقص كمال توحيد الألوهية، وحذر من أقوال قد توقع أيضًا فيما ينقض التوحيد، ولهذا بوب الشيخ في حماية المصطفى لجناب التوحيد بابين: الباب الأول: في بداية الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (21) .
والباب الثاني: في آخر الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (65) .
وبعض الناس قد يقول لماذا بوب الشيخ بابين؟ ألا يكفي باب واحد؟ والجواب هو أن الباب الأول في حماية المصطفى لجناب التوحيد من الأعمال التي قد تخدش فيه.
والباب الثاني في الأقوال، وهناك فرق بين الأعمال والأقوال.
فأما الباب الأول فهو (باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا الباب أيضًا يدخل في أهمية التوحيد ومكانته ومنزلته، ولذا نلحظ أن هذه المجموعة من الأبواب متفرقة في أماكن متعددة، ومع ذلك يصلح أن ينظمها سلك واحد، وهو مفهوم توحيد الألوهية وما يتعلق به من الفضائل والحماية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] ].
هذه الآية تدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، فقوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ) يعني: يصعب عليه (مَا عَنِتُّمْ) أي: مشاقتكم وعنتكم، فـ (ما) هنا مصدرية، فتكون هي والفعل الذي بعدها مؤولان بالمصدر، بمعنى: عزيز عليه عنتكم.
والعنت: هو المشقة، (( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ).
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على الناس في أمورهم المعيشية؛ فإن حرصه عليهم في تاج الإسلام -وهو التوحيد- أشد وأعظم، وستأتي نماذج من ذلك.
قال المؤلف رحمه الله:[عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: (أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم) رواه في المختارة] .
هذا الحديث يدل على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) .
وهذا القول يحتمل معنيين: الأول: لا تدفنوا الموتى فيها.
والمعنى الثاني: لا تجعلوها مثل المقبرة التي لا يصلى فيها، وكلا المعنيين يدلان على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطهير جناب التوحيد من أي خدش فيه، فأما على المعنى الأول -وهو: النهي عن دفن الموتى في البيوت- فإن دفن الموتى في البيوت نوع من أنواع الغلو، وهو يفضي إلى التعظيم، ولهذا نلحظ في تاريخ المسلمين أن أكثر من أن يصنع هذا هم السلاطين والوجهاء، وأصحاب الأماكن العالية، فقد يبني أحدهم قصرًا ويجعله مقبرة لنفسه، وهذا يضفي شيئًا من التعظيم على القبر الذي يدفن فيه.
وقد يقول قائل: لماذا دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مع أنه نهى عن ذلك؟! فنقول: هذا من خصائصه، والدليل على كونه من خصائصه هو حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما اختلفوا في مكان دفنه، فأخبرهم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من نبي يقبض إلا يدفن حيث قبض) يعني: يكون محل دفنه هو المكان الذي يقبض فيه ويموت فيه.
وقوله: (ولا تجعلوا قبري عيدًا) العيد: هو الشيء المعتاد، فهو يتضمن معنى التكرار والإعادة، ولهذا سمي بذلك عيد الأضحى وعيد الفطر لأنهما يعودان كل سنة.
فقوله: (لا تجعلوا قبري عيدًا) أي: لا تجعلوا زيارة قبري مثل العيد تعاودونه في كل سنة، أو في كل شهر، أو في كل فرض، أو في كل يوم، أو نحو ذلك، فمن اتخذ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا منتظمًا؛ فإنه يدخل في عموم نهيه، وهذا نص صريح على بدعة الزيارة الرجبية التي اعتادها كثير من الناس، والزيارة الرجبية هي أنهم يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم في كل رجب، فهذه بدعة؛ لأنهم جعلوا زيارته في رجب عيدًا يعتادونه، وهي بدعة ومنكر.
وهناك كثير من الناس يعترض علينا عندما نذكر أنواعًا من الزيارات البدعية أو التصرفات البدعية في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم بأننا لا نحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل وفاسد، فإن أهل التوحيد هم من أشد الناس محبة وتعظيمًا للنبي ص