النوع الثالث من أنواع الشرك: الشرك في الاستعاذة، والاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام من شيء يخافه الإنسان، فحين تقول: (أعوذ بكذا) ، فالمعنى: ألتجئ إليه وأعتصم به من شيء يخاف أيًا كان هذا الشيء، وأيًا كان هذا المستعاذ به، فهذه الاستعاذة عبادة، وسيأتي الدليل على كونها عبادة.
والاستعاذة بالله عز وجل توحيد، والاستعاذة بغير الله نوعان: النوع الأول: الاستعاذة بغير الله فيما يقدر عليه، أي: الالتجاء إلى مخلوق يقدر على أن يعيذك من هذا الشيء.
والنوع الثاني: الاستعاذة بالمخلوق من شيء لا يقدر عليه.
فمثال الاستعاذة من شيء يقدر عليه: أن تكون -مثلًا- في مسبح وتكاد أن تغرق، فلتجأ إلى سباح بين يديك، فإنه قادر على إخراجك من هذا المسبح بإذن الله تعالى، فهو سبب في هذا، فهذا ليس من الشرك، والاستعاذة تكون شركًا في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون العمل المطلوب مما يقدر عليه الإنسان أو المخلوق في العادة، لكن يطلب من ميت أو غائب لا يقدر عليه طبعًا؛ لأن الميت لا يعمل شيئًا، والغائب لا يدري.
ومثال ذلك: إذا كنت في البحر، وجاءت الأمواج واقترب الغرق وخفت، فاستعذت بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو ميت، أو استعذت بفلان من الحكام الذين لديهم طائرات، ولديهم قدرات، ولكنه ميت أو غائب ليس قريبًا منك، فهذا من الشرك؛ لأنه لا يقدر على إنقاذك مما أنت فيه، ولو كان الإنقاذ من الغرق في العادة مما يقدر عليه الإنسان، فإذا كانت عنده إمكانات وقدرات فهو يقدر على إنقاذ الإنسان من الغرق، فأنت لو رأيت إنسانًا سيغرق وأنت سباح ماهر قادر على إنقاذه كان إنقاذه من مقدورك وليس أمرًا مستحيلًا.
ومثال الاستعاذة بغير الله عز وجل مما لا يقدر عليه المخلوق في العادة: أن تلتجئ بمخلوق في أن يعتقك من نار جنهم، فلو التجأت بمخلوق في أن يعتقك من نار جهنم فقد وقعت في الشرك؛ لأنه لا يقدر على أن يعيد الإنسان من نار جهنم إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يستطيع هذا الأمر نبي مقرب ولا ملك مرسل ولا ولي له فضل.
إذًا: نخلص من هذا إلى أن الاستعاذة في الأصل تنقسم إلى قسمين: استعاذة بالله، واستعاذة بغير الله.
فالاستعاذة بالله عز وجل عبادة، وهي توحيد، وقد تكون من الواجب، وقد تكون من السنة، بحسب الحكم المتعلق بها.
والاستعاذة بغير الله يمكن أن نقسمها إلى قسمين: استعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا ليس من الشرك، إلا إذا تعلق القلب بالمخلوق، فهذا من الشرك الأصغر، مثل تعلق القلب بالطبيب -مثلًا- أو بأي إنسان قادر على شيء.
أما النوع الثاني فهو الاستعاذة بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه، وينقسم إلى قسمين: الأول: ما يقدر عليه الإنسان في العادة، ولكنه يطلب من ميت أو غائب.
والثاني: ما لا يقدر عليه الإنسان أصلًا في العادة.
فهذان النوعان كلاهما من جنس واحد، وفعلهما عليه شرك أكبر؛ لأنه صرف للعبادة -وهي الاستعاذة- لغير الله سبحانه وتعالى.