فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 204

يقول: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال) يعني: قبل القتال ادعهم إلى الله سبحانه وتعالى، (فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام) يعني: أول الأمور أن تدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، فإذا أسلموا فالحمد لله؛ إذ هذا الذي نريده، فالقتال ليس هدفًا في ذاته، فإذا أسلموا فهم إخوتنا في الإسلام.

يقول: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) هذا إذا أسلموا، (وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين) يعني: إذا أسلموا ورفضوا التحول من دار الكفر إلى دار الإسلام فهم كأعراب المسلمين، يعني: هم من أهل الإسلام ولكنهم كالأعراب وليسوا كالمهاجرين، فيجري عليهم حكم الله تعالى، (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) .

قال: (فإن هم أبوا فاسألهم الجزية) يعني: يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

أي: إما أن تزال حكومتهم ويكونوا تحت حكومة الإسلام، أو يكون هناك عقد أمان بينهم وبين المسلمين ويكون الحكم لهم، ولكن يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون.

وهذه حقائق الإسلام لا تتغير، وقد يقول بعض الناس: كيف تطبق مثل هذه الأحكام في هذا الزمن؟! ونقول: إذا كان كثير من الناس لا يطبقونها الآن فإنها ستطبق بإذن الله، وصحيح أن هذا الكلام يشبه الخيال في بعض الأحيان في واقعنا اليوم، ولكن الحقائق الشرعية ثابتة لا يمكن أن تتغير أبدًا، وسنطالبهم بها، وإذا كانت الأمة مستضعفة الآن فإنه يجب علينا أن نرفع عنها الاستضعاف بالدعوة إلى الله عز وجل والإصلاح، وتنمية روح الجهاد في سبيل الله في نفوس المسلمين، وجذبهم إلى الدين وتفهيمهم أحكام رب العالمين سبحانه وتعالى.

يقول: (فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) وهذا يدل على أن القتال ليس مقصودًا لذاته، وإنما مقصود لرفع الظلم عن المسلمين، ورفع الكفر عن الناس.

يقول: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك) ثم علل ذلك، وكذلك الأمر في الحكم، وهذا هو موضع الشاهد، وهذا يدل على قاعدة مهمة جدًا، وهي أن هناك فرقًا بين حكم الله وحكم العلماء، فقد يقضي القاضي بحكم من الأحكام، فهل هذا الحكم الذي يقضي به هو حكم الله؟ إن حكم الشخص قد يكون صحيحًا وقد يكون خطأً، ولهذا لا يصح للإنسان أن يقول: هذا هو عين حكم الله؛ لأنه قد يكون مخطئًا، وإنما يقول: هذا حكم القاضي، ويكون الناس ملزمين به إذا اجتهد القاضي في هذا الحكم اجتهادًا شرعيًا وبالطريقة الشرعية، وأما إذا لم يكن بالطريقة الشرعية فإنه ينقض؛ لأنه ليس اجتهادًا مشروعًا، والاجتهاد المشروع ليس هو حكم الله دائمًا، بل قد يكون خطأً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ، وهذا يدل على أن المجتهد قد يخطئ في بعض الأحيان، وإذا أخطأ في الحكم دلَّ ذلك على أنه لم يكن حكم الله في نفسه، ولكن لا يكون عليه إثم؛ لأنه بذل وسعه وبذل جهده، والله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت