سبق أن بينت معنى دليل التمانع، وسموه التمانع؛ لأن الافتراض الوارد في الدليل هو أنه لو وجد إلهان متكافئان في الصفات والأفعال فإنهما سيتمانعان، يعني: سيمنع أحدهما الآخر، أو سيغلب أحدهما الآخر، ففي حال التمانع، فإن هذا أمر في غاية الاستحالة، وفي حال أن يغلب أحدهما الآخر فالغالب هو الإله، والمغلوب لا يستحق أن يكون إلهًا.
إذًا: مقتضى دليل التمانع ونتيجته هي نفي وجود إلهين متكافئين في الصفات والأفعال، ولا توجد أمة أصلًا في الدنيا تثبت أن هناك إلهين يتكافآن في الصفات والأفعال، وإنما يوجد عند بعض الأمم شرك في الربوبية، فالثانوية من المجوس يقولون بالأصلين: النور والظلمة، ويقولون: النور والظلمة قديمان، وليسا بمخلوقين محدثين، لكنهم يقولون: إن النور أفضل من الظلمة، وبعضهم يقول: إن النور قديم والظلمة محدثة، وأيضًا يتفقون على أن النور هو مصدر الخير، وهو الذي ينبغي التوجه له، وأن الظلمة مصدر الشر، وأنه ينبغي الحذر منها، وهكذا الصابئة الذين كانوا يعبدون النجوم قوم إبراهيم عليه السلام، فإنهم كانوا على نوعين: نوع يرون أن هذه النجوم التي في السماء ليست أجرامًا سماوية محسوسة، وإنما هي عبارة عن نفس وروح مجتمعة نورانية، وأن هذه النفس والروح لها تأثير على المخلوقات، فبعضهم يقول: نحن نعبدها مباشرة، وهم أصحاب الهياكل، ولهذا هم من أعلم الناس بالنجوم؛ لأنهم يبنون هياكل ويعرفون أوقاتها وأنواعها وتصنيفاتها، ولها بخور خاص يتبخرون لها، ويتعبدون لهذه الكواكب، لكن يعتقدون أن هذه الأجرام التي هي عندهم عبارة عن أرواح وعقول تحت تدبير الإله الكبير، الذي لا يمكن أن يعبد مباشرة حسب زعمهم، وبعضهم يسمون أصحاب الأصنام، وهم الذي يقولون: إنه لا يمكن أن نعبد هذه الأجرام مباشرة، بل لابد أن نصنع أصنامًا يمكن أن تقدم هذه المعبودات لهذه الهياكل أو هذه الأفلاك كما يسمونها.
وقد ناظر إبراهيم عليه السلام كلا الطائفتين، فأما طائفة عباد النجوم فأنتم تعرفون قصته عندما رأى كوكبًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، ثم قال: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام:77] كما ورد في سورة الأنعام.
أيضًا عندما قال {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] وذلك لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم تؤثر في الناس فتمرض من تشاء، وتعافي من تشاء، وتغني من تشاء، وتفقر من تشاء، وهذا شرك في الربوبية، لكنه ليس شركًا باعتقاد أن هذه الأفلاك مشاركة لله عز وجل ومساوية له في الصفات والأفعال، كما هو مقتضى دليل التمانع الذي سبق أن أشرنا إليه.
وناظر أيضًا إبراهيم أصحاب الأصنام، وكان أبوه من الذين يصنعون الأصنام كما هو معلوم، وقد جاء إبراهيم في يوم عيدهم وهم منشغلون فحطم هذه الأصنام، وتعرفون القصة الواردة في هذا الموضوع.