[ ("للمملي": أي للذي يملي الكلام على من يكتبه . ولفهم هذا الحديث يلزم استحضار طريقة الإملاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأدواتها، حيث كانت الكتابة أبطأ من الإملاء بمقدار أكثر مما يتبادر إلى ذهننا، وذلك لاستعمالهم الجلد والعظم والحجر وأمثالها، ولعدم توفر الأقلام السهلة الاستعمال كتلك المعروفة في عصرنا .
وكذلك يلزم استحضار قوة ذاكرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وخصوصا الكتّاب منهم، وطول الأحاديث التي كانوا يستطيعون حفظها ولو من دور واحد، والتي بلغنا منها الكثير . من ذلك كله ومن هذا الحديث، يتضح أن الإملاء المذكور هنا ليس كالإملاء المعهود لنا، بأن يحاول الكاتب أن يكتب في نفس الوقت الذي يجري فيه الإملاء، بل يستمع مدة غير قصيرة كما تبين أعلاه، ثم يتوقف المملي ويكتب الكاتب . فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الكاتب وضع القلم على أذنه لأنه أذكر للمملي حيث يستطيع جمع أفكاره حول ما هو بصدد صياغته من الكلام، دون أن يتوهم أن الكاتب قد يبدأ بالكتابة وأن عليه هو التوقف عن الإملاء، مما"يقطع سلسلة أفكاره"بتعبيرنا .