ولم يكتف بذلك، بل خلق موجة إرهاب ضد النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا، فإن أحدهم صرح بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين. فما كان من"مصطفى كمال"إلا أن كلف شخصا باغتياله في الليلة التى تحدث فيها. فاغتيل هذا النائب المسلم وهو راجع إلى بيته من الجمعية الوطنية. وألقى نائب آخر خطبة إسلامية فأحضره"مصطفى كمال"وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى. وبذلك نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن ألا يشغب عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم استانبول يأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كى يتخلوا عنه. وتحركت الغيرة الإسلامية في قلوب بعض الكماليين الذين توجسوا الشر من إلغاء الخلافة، فعرضوا على زعيمهم أن ينصب نفسه خليفة للمسلمين فأبى. ثم جاء وفدان أحدهما من"مصر"والآخر من"الهند"وطلبا إليه أن ينصب نفسه خليفة للمسلمين فكرر إباءه، ثم استعد للضربة القاصمة وأعلن للعالم إلغاء الخلافة في أيار (مايو) سنة 1924. وقد يتساءل البعض: لماذا رفض هذا القائد أن يكون خليفة للمسلمين؟ أليس ذلك أمارة على كرهه الخاص لذلك النظام، وشعوره بلزوم التخلى عنه؟ ورأينا أن الرجل كان منطقيا مع رغبته في الحكم وفى مستقبله السياسي عندما أصر على إبعاد الخلافة عن تركيا وعن شخصه أيضا. ولو أنه رضى أن يكون خليفة لعاودت قوات الحلفاء هجومها، وثابرت على القتال حتى تسقط بقية الحياة الإسلامية في الميدان الدولى. إن أوروبا المتعصبة تحارب بالسيف وبالمال وبالعلم والقلم كل زعيم شرقى تشم في قيادته رائحة يقظة إسلامية. والغازى"مصطفى كمال"لم تكن لديه الطاقة النفسية ولا العقلية لتحمل هذا العداء. ولذلك آثر الجبان أن يحارب أمته بدلا من أن يحارب دول أوروبا، وأن يقضى على دينها ليظفر هو بالبقاء.
ص _112