فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 253

الحياة أصبحت مشروعا يجب أن ينجح ويحقق أرباحا، لم تعد الحياة - كما كانت - عطية الخالق نقنع بها ونحمده من أجلها، لهذا شاع الانتحار في عصرنا برغم أن حياتنا أصبحت أشد يسرا، وانتشر الإدمان والمرض العقلى وانهيار الأعصاب. وقد حذر العلامة الفيلسوف"شوايتزر"بنى عصره من طغيان الارتقاء المادى على الجوانب الروحية في الحياة فقال بحق:"إن المدنية التى لا تعنى بغير جوانبها المادية كسفينة مكسورة الدفة تشق طريقها إلى الكارثة". إن النضج المادى - لا الروحى - أبرز سمة تنذر بخطورة مدنية العصر، حتى اختل توازنها. وفى غمرة حماستنا لما حققته هذه المدنية من قوة ورفاهية ومعرفة ضللنا الطريق، لقد غالينا في تقدير انتصاراتنا وأغفلنا خسائرنا الروحية. إننا لنتساءل في حيرة: في مثل هذا المجتمع الذى يعبد المادة واللذة، أين تقع الأخلاق؟ وأين يقع الدين؟ السلوك الخلقي مبناه - مهما يتجه - أن الإنسان هو غاية كل شئ، كيف إذن يكون الخلق شيئا مذكورا في حياة تجعل الإنسان آلة مسخرة من أجل القيم المادية. حقا إن هناك أخلاقا في هذا العصر ولكنها أخلاق ضيقة الأفق، لعلها لا تعنى بغير فكرة الأمانة في المعاملات. هذا المعنى الضيق حجب إلى حد كبير فكرة الخير والشر. ولاشك أن الأمانة فضيلة، ولكن حب الجار، ومشاركة الآخرين آلامهم والتضحية في سبيل المثل ليس مما تشمله الأمانة. ومع ذلك .. فما زالت الأخلاق التقليدية قائمة، قائمة منذ أوقدت الأديان جذوتها ولأنها تراث آلاف السنين، إننا نعيش على الشعلة التى أوقدتها أيدى من قبلنا، إن لم نغذها بوقود جديد فمصيرها يوما إلى الفناء. والدين؟ إن كنا نقصد بالدين شيئا نؤمن به فلاشك أن لهذا العصر دينا - هو النجاح! وإن كنا نقصد عبادة الإله رب الكائنات، فإن فلسفة هذا القرن لا تتفق مع انتشار هذا الدين. هذا القرن الذى لا يرتفع بصره إلى أرفع من أمانة المعاملات، ولا شأن له بعد ذلك بالقلب والحب والعاطفة، هذا القرن يقدم قرابينه للسوق ومن بعدها الطوفان، فكيف يعنى الناس برب الكائنات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت