فما وجدت ثغرة فكرية بينى وبينهم، لا فرق في ذلك بين"سنى"و"شيعى"ولا بين"صينى"و"روسى"و"تركى". وإذا كانت ثغرة بيننا وبين أحد، فما كانت إلا بيننا وبين زنادقة هذا العصر الذين يتسمون بأسماء إسلامية ولا دين لهم كهذا الذى ينكر أحكام آيات المواريث، ويدعى أنها وقتية. أو كهذا الذى ينكر النبوة، وأمثالهم ممن نبذ المسلمون كلامهم في المؤتمر، كما تنبذ النواة. والسبب في ذلك الاتحاد الفكرى الذى لا يحتاج إلى الجمع والتوجيه والتنظيم هو وحدة المصدر والاتفاق عليه والالتفاف حوله. فقد اتفق المسلمون جميعا على أن الإسلام له مصدر واحد يؤخذ من نصوصه المحكمة، وهو أولا نصوص القرآن التى لا تقبل تغييرا ولا تبديلا (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) . وثانيا: أقوال النبى - صلوات الله وسلامه عليه - وسائر سنته. وإذا كانت بعض الطوائف مختلفة في طريقة روايتها، فإن الأصل الذى يقوم عليه عمود الدين، وفقه الإسلام وأحكامه متفق عليه. وإذا كانوا ينتهون إلى حكم واحد في أصول الإسلام والإقرار بجملة السنة التى تدل على هذه الأصول، فإن الغاية قد اتحدت، وأصل الوحدة الثقافية قد ثبت من غير نكير، ومن غير تعاند وتنابز بالأسماء. وإن كانت أنواع من الجدل قد وقعت ومازالت، فذلك لا يضير في شىء. إنها أحيانا من ضيق الفكر لا من اختلاف الثقافة، كما رأينا في صدر حياتنا من ملاحاة فكرية بين الشافعية والحنفية. وقد تجئ من عمق الفكر كما يسجل التاريخ الفقهى من مناظرات، بين أتباع هذين المذهبين الجليلين ببلاد ما وراء النهر في القرنين الرابع والخامس. تلك المناظرات التى كانت محمودة العاقبة منتجة مثمرة، لأنه قد ترتب عليها تأييد الفروع بكلا المذهبين بالأقيسة العميقة وتنقيح الروايات في الأخبار المؤيدة. ص _188