ونستطيع أن نُدرك خطورة العمل الذى يؤديه"الأزهر"- لو حيا ونهض - في ضوء الحقائق التالية:
1 -أن الاستعمار يتوسل بالتبشير المنظم، وبث الإرساليات، وبناء الكنائس على ترسيخ أقدامه في إفريقيا وآسيا، وعلى تكوين أجيال ترضى بوجوده، بل تحرص على بقائه، لأنها ترى في الدين الذى رباها عليه آصرة روحية يلبى نداءها دون حرج. والغرب المسيحى لا يهمه من النصرانية إلا أن تكون طليعة تمهد لزحفه، وإلا أن يكون رجالها عملاء له حيث كانوا.
2 -أن دولة"إسرائيل"لا تعرف إلا الدين رباطا يصل بين رعاياها على اختلاف أجناسهم. وهى تجعل من العصبية الدينية وحدها الوقود العاطفى الذى تستبيح به جيرانها وتبيت لاجتياحهم. وقد قرأتُ في الصحف أن كاهنا يهوديا خطب في الشعب الإسرائيلى. فقال - مبشرا قومه بالنصر في المعركة الأخيرة:"إن لدينا مائة وبضعة عشر سلاحا سريا، سوف تكتب لنا النصر في صراعنا مع أعدائنا. أتدرون ما هذه الأسلحة؟ إنها جملة الإصحاحات التى تضمها التوراة المقدسة"!! فإذا كان الدين في الهجوم السافر علينا مصدر الطاقة العنيفة التى تواجهنا. فمن العجز ألا تقوم جبهة الدفاع عليه، أو أن يخلو المعسكر العربى منه. ودور"الأزهر"هنا أن يرعى عناصر المقاومة بعد أن يصلها بالإسلام، لا على أن التمسك بالدين ضرب من التعصب الأعمى أو إثارة لأحقاد طائفية صغيرة. بل على أن قيام الحقيقة وحراسة الحقوق وكسر العدوان، ومنع الفساد في الأرض إنما تتم في ضوء عقيدة دافعة وإيمان نابض، وحماسة تنبعث من الأعماق، وتهون معها التضحيات. والواقع أن أخصب تربة لإنتاج المعانى هى التدين الصحيح. وفى ضغط الحصار الاقتصادى على مصر وزميلاتها من الدول المتحررة، يمكن للشعب المصرى ولغيره من الشعوب الإسلامية أن تتحمل الجوع والعرى. وذلك عندما يكون باعث الإيمان هو المحرك للكفاح. ص _191