فهرس الكتاب
وقد يكون هذا الشخص مقبول السيرة بين الناس أو مضبوطا في بعض المعاملات أوله خصائص نفسية وعقلية ثمينة. بيد أن ذلك لا يدعو إلى المجازفة في تقرير قيمته ورفع خسيسته. إن الآلة العاطلة قد يكون بها من الحديد ما لو بيع"خردة"لساوى الكثير، فهل ذلك يعلى من قدرها وبغض توقفها وفسادها؟ الواقع أن الذين يحترمهم المجتمع لما ينسبه إليهم من ارتقاء الضمير، إنما يغالى ببعض نواحيهم ويبرزها ويتجاوز عن البعض الآخر ويهمله. ولو فتشنا في أحكامهم على الأمور كلها وتصورهم لكثير من القضايا العليا لوجدنا ما يخزى ويسئ. وكثير من أصحاب هذه الضمائر يستحل محرمات شتى، ولا يرى غضاضة من اقترافها. لأنه - وهو المقطوع عن السماء - لا يعترف بما فيها من قذر. ولو افترضنا - جدلا - أن نواحيهم الإنسانية كلها بلغت القمة فكيف ننسب الكمال كله لشخص هانت عليه علاقته بربه فأخر حقوقه، وتمرد على مظاهر العبودية المطالب بها وغيره؟ إن ترجيح كفة هؤلاء ضلال كبير، وعقد نسبة بين مضل يكذب، وملحد يصدق هو ضرب من المقارنة المفتعلة لا يراد من إجرائها إلا توهين الدين وتقوية الإلحاد ... فلا شأن المصلى أن يكذب. ولا شأن الملحد أن يستقيم، نعم ... لا الصدق والاستقامة من خصائص الإلحاد، ولا الكذب من خصائص الدين. وسوق المنطق بهذا الأسلوب كالقول بأن هذا عاهر جرىء، وهذا عفيف هياب، أو هذا إنسان يبطئ في سيره، وتلك دابة تسرع في جريها. مامعنى هذه المقارنة؟ إن انعدام الموضع المشترك يجعل هذه المقارنة مغالطة، فإنسان عليل وحيوان قوى مقارنة لا تنشئ حكما بأن الدابة أفضل من الإنسان. فتلك صفات عارضة، أو أن العهر أفضل من العفاف. وعندما نرى المتدين مفرطا في استكمال شعب الإيمان وخلائق الاستقامة فالطريق الوحيد لتصحيح نفسه أن نشرح له أصول عقيدته وأهدافها وآثارها، وأن نلزمه ص _202