فهرس الكتاب
وهذا كلام طيب جميل في تفسير وجوب الصلاة والصيام وغيرهما من سائر العبادات .. وضرورة أداء هذه المناسك في إخبات وتجرد لله رب العالمين. والحقيقة أن الفروض اليومية والسنوية المنوطة بأعناق المؤمنين ليست أعمالا تافهة، أو حركات صماء قليلة الجدوى. إنها مدارج ارتقاء بعيد المدى لمن يحسن معالجتها، ويتجاوب مع حقائقها. وهى - مع العوام السذج - حصانات من شرور وآثام…. وربما رزق بعض الناس شيئا من الصفاء في معدنهم أو الاستقامة في طريقتهم وهم مجوس، أو عباد وثن، أو مقدسو بقر. فهل القليل من الجمال النفسى أو البدنى عند هؤلاء يطعن في قيمة الكثير الذى فقدوه لتصح به أرواحهم وأفكارهم؟ إن العبادات ليست حاجة الله إلى الناس. إنما هى حاجة الناس ليتصلوا بالحقائق العليا في نظام له مقدماته ونهاياته، ويستحيل أن يعوض عند فقدها شئ ... إن هناك حالة واحدة يمكن فيها الاستغناء بالفلسفة عن الدين .. وهى أن يثبت للناس عن طريق اليقين الجازم أن الله لاوجود له، وأن أوامره ونواهيه خرافة، وأن انتظار لقائه والتأهب لحسابه غرور ... وفى هذه الحالة وحدها يكون الدين شيئا لا معنى له ولا خير فيه. ولكن إذا كان اليقين الجازم هو العكس، وأن الله هو الحق المبين، وأن الإلحاد مرض يعترى الإنسانية كما يعترى الرمد الأبصار، فكيف يتصور أن الدين نافلة وأن هناك عوضا عنه فيما يصنع الناس لأنفسهم من فلسفات .. ؟ ولو فرضنا جدلا أن الدين تقلصت ظلاله عن الإنسانية فمن الذى يقول: إن فلسفة الواجب والضمير هى التى ستحل محله؟ إن الذى سيحل محله هو منطق اللذة الحيوانية، أو بتعبير أرقى: منطق المصلحة العامة. وفى دائرة اللذة العاجلة سترتوى الغرائز وتنتشى وتعربد. ص _204