فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 253

وأنا لا أسخر من قصة العبقرية في الإذاعة. فقد قال بها رجل عظيم يحمل إجازة الدكتوراة، وكان يشغل أكبر منصب علمى في مصر، ويحمل الباشوية أيضا. هذا العظيم يقول: إن الذين يُقدمون هذه الإذاعات المضطربة الحائرة إلى الشعب عباقرة. ولكنى لم أسمع بعد أن واحدا من هؤلاء العباقرة استطاع أن يثبت عبقريته بعمل واحد نافع أو ناجح. ويزعم العباقرة أنهم يقدمون للناس أحسن ما يقدم إليهم من فن وثقافة، وأنهم غير مسئولين بعد ذلك عن شئ. فماذا قدم حضرات العباقرة للشعب؟ وماذا يريدون أن يفعلوا بالشعب الذى يدفع لهم أجورهم من عرق الجبين؟ أحب - قبل أن أمضى معك في حديث هذه الإذاعة وهؤلاء العباقرة - أن أطلعك على أساس واحد ضخم أقيم عليه هذا المرفق الثقافى الشعبى في مصر. لقد كانت الإذاعة إلى عهد قريب في أيدى الإنجليز الحمر الذين جمعوا حولهم أفرادا شذاذا من الإنجليز السمر لإشاعة الفساد في مصر وقتل مظاهر الحيوية فيها. وظلت هذه الرواسب المعلولة تعمل في الإذاعة على الأسس الاستعمارية التى رسمها الإنجليز. وبقى أفراد شذاذ يدينون بالولاء لسادتهم الأقدمين فكرا وشعورا. هؤلاء الأفراد نماهم الإنجليز على فتات مائدة الاستعمار. ونفخوا في أرواحهم الذليلة حتى أشعروهم - عن غير قصد - بأنهم أشخاص يستحقون الحياة ويستحقون المجد. وكبر هؤلاء الأفراد في أعين الناس. وأصبح الواحد منهم يظن أن العبقرية الفذة هى التى وصلت به إلى المنصب الخطير. منهم من كان كاتبا صغيرا لا تحسن أنامله تحريك مفاتيح آلة الكتابة. ومنهم من كان ساعيا يحمل الأوراق من غرفة إلى أخرى. ص _223

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت