فهرس الكتاب
ومنهم من كان غلاما تلقى الرطانة عن سيد أحمر، فجرت على لسانه كلمات إنجليزية حملته على التعالى والتعاظم. ومنهم من لا يحسن علما أو ثقافة، ولكنه أصبح - بين عشية أو ضحاها - رجلا خطيرا، يرجى شفاعته. وجاء الخطر الداهم، خطر النفاق الذليل، والرغبة العاجلة في المال. فأحس هؤلاء الفتيان أن كبار رجال الفكر يرجونهم ويتقدمون إليهم، فأحسوا بأهميتهم في الحياة. وزاد غرورهم. شهدت مرة رجلا عظيما تولى كبار المناصب، وبلغ الذروة شهرة ومجدا، يتزلف إلى واحد من هؤلاء الفتيان ليمنحه الفرصة السائحة التى تضع في يده جنيهات قليلة يتقاضاها على حديث يذاع. وخرجت إلى الطريق مهرولا أبحث في وجوه الناس عن الكرامة وعفة النفس وتقدير الفن. وخيل إلى بعد ما شاهدت من أمر هذا الرجل العظيم أن الكرامة في مصر لا يحس بوجودها إلا هؤلاء المساكين الذين يقتلهم الفقر، وتذيب نفوسهم الحاجة، ولكنهم لا يتذللون ولا ينافقون.
وقد أثر الفن المريض على الفتيان آثارا خطيرة، وخلق في نفوسهم الغضة الطرية كل نوازع الشر. إن المواقف الغرامية المثيرة التى يراها الفتيان على الشاشة الفضية يسعون إلى تمثيلها في واقع الحياة. والأغانى المبتذلة الفاجرة يرددونها استهواء للفتيات. وآثار الحفلات الداعرة والصور العارية، والرقص الخليع ترسب كلها في أعماق هؤلاء الفتيان وتجذبهم نحو البحث عن اللذات الشهوية من أى طريق. وقد نشرت الصحف أخيرا أن بعض الغلمان يقلدون مجرمى"شيكاغو"فى ارتكاب الجرائم. هؤلاء الغلمان يركبون سيارة أجرة في الإسكندرية، ثم يسرقون من سائقها كل نقوده. ص _224