لقد قطعت البصرة شوطا بعيدا في الحضارة والرقي ولا سيما في الخلافة العباسية فأصبح لها الأثر الكبير في النهضة الفكرية، فقد نبغ فيها عدد كبير من فحول العلماء وفقهائهم واشتهر منهم على الخصوص أئمة المعتزلة، لقد كان علماء الكلام في البصرة لهم الفضل الكبير على صعيد الآراء والمناقشات.
فقد اشتهرت البصرة بفكرها المعتزلي في القرن الرابع الهجري متمثلة بأبي علي الجبائي (ت 303 ه) وولده عبد السلام (ت 321 ه) ، وظهور الآراء الفلسفية في مسائل تتعلق باللّه والعالم متمثلة بالفيلسوف الكندي (ت 252 ه) .
وكان لأخوان الصفا إسهام بارز في آرائهم الفلسفية، إذ ألفوا رسائل علمية متطورة بحثت في حقول العلم والمنطق والعالم والنفس الإنسانية والرياضيات والفلك والهندسة.
لقد كان للعلماء نشاط بارز في العطاء العلمي الذي كان له المكانة المتميزة في الفكر العربي الإسلامي، فقد اشتهر عدد كبير منهم أبو الأسود الدؤلي (ت 69 ه) قال القفطي: (وروي عن أبي الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاخرج لي رقعة فيها(الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى) قلت ما دعاك إلى هذا؟ قال: رأيت فسادا في كلام بعض أهلي، فأحببت أن ارسم رسما يعرف به الصواب من الخطأ، فأخذ أبو الأسود النحو عن علي رضي الله عنه ولم يظهره لأحد) 1، وقال عنه الجاحظ:(كان قد جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة
1)القفطي، جمال الدين، أبو الحسن علي (ت 646 ه) أنباه الرواة على أنباء النحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة (1950 م) : 1/ 5.