فهرس الكتاب
بعد هذا العرض المسهب لطرق الحديث بهذه اللفظة يتبين أنَّ عامة طرق الحديث تالفة لا يجوز الأخذ أو الاستدلال بها لفحش ضعف رواتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ مقتضى مفهوم المخالفة لهذا الحديث: من كذب علي متعمدًا ليهدي به الناس فلا بأس عليه , وعلى هذا فإنَّ هذا الحديث يكون مستندًا لقول بعضهم: إنما كذبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا عليه، والذي أقصده أن هذا الحديث لو حسُن لكان مبيحًا لجواز الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصد الدعوة أو غيرها، وهذا ما تمجه شريعتنا الغراء، والحديث معارض بحديث الباب المتواتر عن رسول اللهً - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كذبَ عليَّ متعمدًا ... ) )فدخل فيه كل ما في الكذب من أنواع سواء لتحليل أو لتحريم أو مناقب أو مثالب، ثم إنَّ الذي يدل على شدة نكارة هذا المتن أنَّ الحافظ ابن حجر وضع هذا الحديث وأمثاله ضمن الشبه التي تعلق بها مبيحوا الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - مستدلين بها على جواز الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - لنيل مآربهم.
فإن قيل: فمن أين جاءت هذه اللفظة؟
فنقول: الذي ينقدح في نفسي أنَّ عمرو بن شرحبيل قال الكلام السابق من قوله بقصد الوعظ وزاد فيه هذه العبارة، وعنى بها ليضل الناس عن هدي سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فحُمِلَ عنه على أنه حديث، فَنُقِلَ عنه - بسبب الخطأ وعدم الضبط - ما لم يقله والذي يبين إعلالي هذا الطريق المرسل، وأما بالنسبة لبقية الطرق فقد توافر الكذبة لسرقة متنه والتلاعب بالإسناد؛ لقصد الإغراب عن الناس، والله أعلم.
مثال آخر: روى العلاء بن صالح التيمي، عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبد الله، قال: قال عليٌّ: أنا عَبْدُ الله وأخُو رسُوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا الصِّدّيقُ الأكبرُ، لا يقولها بَعْدي إلا كذابٌ، صلَّيْتُ قَبلَ الناسِ لسَبْعِ سنينَ.
أخرجه: ابن أبي شيبة (32620) ، وأحمد في"فضائل الصحابة"