(الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة، وعادات الحياة والتفكير التي يفرضها عليه المجتمع العصري .. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في حسه وشعوره ... وعرفنا انه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التي خلقتها(التكنولوجيا) وأن مثل هذه البيئة تؤدي إلى انحلاله؛ وان العلم والميكانيكا ليسا مسؤولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن المسؤولون لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع… لقد نقضنا قوانين الطبيعة، فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى. الخطيئة التي يعاقب مرتكبها دائمًا .. إن مبادئ (الدين العلمي) و (الآداب الصناعية) قد سقطت تحت وطأة غزو الحقيقة (البيولوجية) . فالحياة لا تعطي إلا إجابة واحدة حينما تستأذن في السماح بارتياد (الأرض المحرمة) .. إنها تضعف السائل! ولهذا فان الحضارة آخذة في الانهيار، لأن علوم الجماد قادتنا إلى بلاد ليست لنا. فقبلنا هداياها جميعا بلا تمييز ولا تبصر! ولقد اصبح الفرد ضيقًا، متخصصًا، فاجرًا، غبيًا، غير قادر على التحكم في نفسه ومؤسساته). (ص322) .
ولسوف يكون من الصعب أن نتخلص من مذهب ظل يسيطر خلال اكثر من ثلاثمائة عام على عقول القوم المتحضرين ..
فإذا كان على الحضارة العلمية ان تتخلى عن الطريق الذي سارت فيه منذ عصر النهضة، وتعود إلى ملاحظة المادة الجامدة ببساطة، فسوف تقع أحداث عجيبة على الفور ..
ستفقد المادة سيادتها؛ ويصبح النشاط العقلي كالنشاط الفسيولوجي. وسيبدو ألا مفر من دراسة الوظائف الأدبية والجمالية والدينية، كدراسة الرياضيات والطبيعة والكيمياء ..
وسوف تبدو وسائل التعليم الحالية سخيفة، وتضطر المدارس والجامعات إلى تعديل برامجها ..
وسيسأل علماء الصحة عن السبب الذي يحدوهم إلى الاهتمام فقط بمنع الأمراض العضوية دون الأمراض العقلية، والاضطرابات العصبية، كما سيسألون عما يجعلهم لا يبذلون اهتمامًا بالصحة الروحية؟ ولماذا يعزلون المرضى بالأمراض المعدية، ولا يعزلون أولئك الذين ينشرون الأمراض العقلية والأدبية؟ ولماذا يعتبرون العادات المسئولة عن الأمراض العضوية عادات ضارة، دون العادات التي تؤدي إلى الفساد والإجرام والجنون؟
ولسوف يدرك الاقتصاديون أن (بني الإنسان) يفكرون ويشعرون ويتألمون. ومن ثم يجب أن تقدم لهم أشياء أخرى غير العمل والطعام، والفراغ! وان لهم احتياجات روحية مثل الاحتياجات الفسيولوجية. كما سيدركون أيضًا أن أسباب الأزمات الاقتصادية والمالية، قد تكون أسبابًا أدبية وعقلية ..
وسوف لا نضطر إلى قبول أحوال البربرية في المدن الكبرى وطغيان المصنع والمكتب، وتضحية الكبرياء الأدبية في سبيل المصلحة الاقتصادية، او تضحية العقل للمال .. ويجب أيضًا أن ننبذ الاختراعات الميكانيكية التي تعرقل النمو البشري.
(وسوف لا يبدو الاقتصاديون، وكأنهم المرجع النهائي لكل شيء.
(ولما كان من الواضح أن تحرير الإنسان من مذهب(المادية) سوف يقلب اغلب جوانب حياتنا، فان المجتمع العصري سوف يعارض بكل قوته هذا التقدم في آرائنا) ... (ص329 - 331)
(مهما يكن، يجب ان نتخذ دواعي الحيطة حتى لا يحدث فشل المادة رد فعل روحي. إذ لما كانت(التكنولوجيا) وعبادة المادة لم يصيبا نجاحًا، فقد يستشعر الناس إغراءً عظيمًا لاختيار الطقوس المضادة .. طقوس العقل .. ولن تكون رئاسة السيكولوجيا أقل خطرًا من رئاسة الفسيولوجيا والطبيعة والكيمياء! فقد احدث (فرويد) أضرارًا اكثر من التي أحدثها أكثر علماء الميكانيكا تطرفًا! فان من الكوارث أن نختزل الإنسان إلى جانبه العقلي، مثل اختزاله إلى آلياته الطبيعية-الكيماوية .. ولا مفر من دراسة الصفات الطبيعية لمصل الدم وتوازنه الايوني، وقابليته اختراق البروتوبلازم ... الخ. كما ندرس الأحلام والشهوة والتأثيرات السيكولوجية للصلاة وذاكرة الكلمات ... الخ. بيد أن استبدال الروحي بالمادي لن يصحح الخطأ الذي ارتكبته النهضة ... فاستبعاد المادة سوف يكون أكثر إضرارًا بالإنسان من استبعاد العقل! وإنما سيوجد الخلاص فقط في التنحي عن جميع المذاهب (ص331 - 332)
هذه هي خلاصة صيحة دكتور كاريل .. فما هي اقتراحاته؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)