الخامس للهجرة إلى عهدنا، فثَمَّ عالم من الشعراء والكتَّاب بلا شعر ولا كتابة [1] .
وما البليغ إلا ذلك الذي لا يستطيع أن يؤتيك طبائع الأشياء - التي تجعلها - في غيرُ صورها، ثم أنت لا تعرفها من كلامه إلا في صورها، فكأنه ناسب بين قوتها وضعفك بصناعته وسحره؛ إذ يمازجها بخيال قوي كالعقل يوازن ضعفَك، وحقيقة ضعيفة كالقلب توازن قوتها؛ وهو لا يتسلط على طبيعتها إلا بتصوره، ولا يستهوي طبيعتك إلا بقدرته على ضبط النسبة بينك وبينها.
فالبلغاء هم أرواح الأديان والشرائع والعادات، وهم ألسنة السماء والأرض، وإذا شهد عصرمن العصور أمة ليس فيها بليغ فذلك هو العصرالذي يكون تاريخًا صحيحًا لأضعف طبائع الأمم.
وكتبت هذه المقالة وبحسبي منها أن يكون عند الحقيقة ذُخرها، وعند الجمال
شكرُها، وعند لله أجرُها.
بقلم مصطفى صادق الرافعي
(1) ـ ستظهر فلسفة هذا التاريخ مبسوطة في موضعها من المجلد الثالث من كتابنا عند القول على الإنشاء العربي وأساليبه وتاريخه.