آه يا قمري الحبيب، بل يا حبيبي القمر، إن الحب لا يخلق إلا الحب ولكن جمالها الرائع يصور لي مَقابح الناس ومعايبهم كأن عيني منذ صار فيها شيء من نور ذلك الجمال الساطع صار فيها شيء من نور الألوهية الذي يخرج منه كلَّ ليلة فجرٌ جديد ولا يفنى، فلا أنظر إلى خلقة المعاني ولكن أنظر إلى تركيبها الخلقي، ولو كانت لك أيها القمر هذه النظرة في شؤون الناس وحيل الأعداء وأحوالهم لارتمضتَ واخترمك الهم من زمن بعيد، ولما بقيت إلى اليوم بهذه الطفولة الإلهية التي تملأ السماء ضحكًا وغبطة.
صُبَّ ظلام الليل كله في قلبي وقني من عداوة لئيم تسوَّد وجه الدنيا في عيني وتجعل قلبي من يأسه وانقباضه كأنه مملوء بالدم الغليظ الفاسد الذي ركد وخبث بعد أن سال من جروح الصداقة! ولك لله أيتها الصداقة الشريدة في هذا العالم فلا تُلمَّ بأحد في حوادث الحياة إلا كما يلم ضيف البيداء إذ يتغطى بملاءة النهار نائمًا فمتى أظلمت الفِجاج المسفِرة انطلق عليه سواد. وهل أشد وأوجع لعمري من سقطة إنسان يتغفل عنه صاحبه حتى يستنيم إليه ويرتبط معه ثم يثب به فجأة وقد خذله خذلانًا ناريٍّا وقدت عداوته؟ ومن الذي يستطيع أن يتوقى هذه المفاجأة، بل كيف يستطيع؟ وأية قوة في الأرض تمنع سقوط أحد العِدلين المتوازنين على ظهر البعير السائر إذا خف الآخر وأخل بالموازنة فلا يكون قد دفعه ثقله أكثر مما يدفعه الثقل الذي فقده؟