"والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد": عليه الصلاة والسلام،"وآله": وهم أقاربه الذين يحرم عليهم أخذ الزكاة، أو هم أتباعه على دينه،"وصحبه": الذين نصروه وآزروه وآووه، وحملوا دينه إلى من بعدهم، وبلغوه على أكمل وجه.
والجمع بين الآل والصحب أمر لا بد منه، ولا ينبغي الاقتصار على الآل فقط، وإن شاع بين طلاب العلم؛ لأنه صار شعارًا لبعض المبتدعة، كما أنه لا ينبغي الاقتصار على الصحب دون الآل؛ لأنه صار شعارًا لقوم آخرين، فالاقتصار على الآل شعار للروافض الذين يكفرون الصحابة، كما أن الاقتصار على الصحب دون الآل شعار للنواصب.
وأهل السنة وسط بين الفرقتين، فإما أن يقتصروا فيصلوا على النبي -عليه الصلاة والسلام- امتثالًا لأمر ربهم، فإن أضافوا فليضيفوا الفريقين، وإن كان الآل بالمعنى الأعم يدخل فيه الصحب، والصحب بالمعنى الأعم يدخل فيه من هو على الجادة من الآل، على كل حال الجمع بينهما هو المتعين؛ لمخالفة من أمرنا بمخالفتهم من المبتدعة.
"وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرًا حثيثًا": لم يألوا جهدًا، ولم يقصروا في نصرة الدين.
"سيرًا حثيثًا": سريعًا بلغوه الآفاق وبلغ مشارق الأرض ومغاربها في أقصر مدة متصورة.
"وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم": من التابعين الذين لقوا الصحابة وأخذوا عنهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"والعلماء ورثة الأنبياء": وقد جاء هذا اللفظ ضمن حديث رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وجاء في ترجمة من تراجم الصحيح في كتاب العلم -وهو حسن- والعلماء ورثة الأنبياء، ومعلوم أن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فلنحرص على هذا العلم؛ لأن تركة الأنبياء هي العلم، والعلم المراد به ما نفع، ما نفع وصار زادًا إلى الدار الآخرة، زادًا مبلغًا إلى جنات النعيم، إلى دار الخلود.
"أكرم بهم وارثًا وموروثًا": أكرم بالسلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان،"وموروثًا": من علم نافع، مقرون بالعمل الصالح.
"أما بعد": أما حرف شرط، بعد: قائم مقام الشرط، ظرف قائم مقام الشرط، وجواب الشرط ما اقترن بالفاء، فهذا مختصر يشتمل.
وهذه الكلمة (أما بعد) اختلف في أول من قالها على ثمانية أقوال يجمعها النظم في بيتين
جرى الخلف أما بعد من كان بادئًا ... بها عد أقوالًا وداود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعرب
ثمانية أقوال، لكن أقرب الأقوال أنه، أنها من قول داود وأنها فصل الخطاب الذي أتيه.
"فهذا": الفاء وقاعة في جواب الشرط، وهذا إشارة، والإشارة إن كانت المقدمة بعد تمام التأليف -تأليف الكتاب- فالإشارة إلى موجود في الأعيان، وإن كانت المقدمة كتبت قبل كتابة الكتاب فهي إشارة إلى حاضر في الذهن.
"هذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية": مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية: يمكن أن يستغني به طالب العلم إذا فهمه واستنبط منه ما يمكن استنباطه من الأحكام بعد قراءة الشروح وسماع ما سجل على هذا الكتاب -وهي أشرطة كثيرة جدًا حول هذا الكتاب- لم يحضَ كتاب في السنة من المختصرات مثل ما حضي هذا الكتاب؛ وذلكم لأهميته، فمن حفظ هذا الكتاب وفهمه وأدام النظر فيه .. ؛ لأن مؤلفه حرره تحريرًا بالغًا، وأبدى فيه وأعاد وكرر، وليس هو بالمعصوم، من حفظه صار من بين أقرانه نابغًا متميزًا على أقرانه، فإذا وفق الإنسان وحفظ هذا الكتاب، وحفظ معه متنًا من المتون الفقهية -وليكن الزاد مثلًا- وحفظ مع ذلكم من أحاديث الآداب ما يحتاج إليه من رياض الصالحين، وذلكم بعد حفظ كتاب الله -سبحانه وتعالى- فقد جمع أطراف العلم، واستحق إن أوتي فهمًا مناسبًا بعد ذلك الفتيا والقضاء وما أشبه ذلك من الولايات الشرعية.
يقول:"حررته تحريرًا بالغًا؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا": بين أقرانه: زملائه، والأقران هم أبناء الطبقة الواحدة المتشابهون في السن والأخذ عن الشيوخ.
"ويستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي": يستعين به الطالب المبتدي، يستعين به على العلم، على التعلم، على الاستنباط على العمل، هذا الطالب المبتدي لا شك أنه بأمس الحاجة إليه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)