فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 28461 من 56889

"قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما ) )"كأن الإناء هنا الوعاء الخاص بالشرب (( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما ) )وهو شامل لكل إناء يوضع فيه الطعام، والتعبير بالصحفة أو الصحاف من باب التمثيل، وإلا لو أكل الإنسان في قصعة من ذهب أو فضة دخل في الحديث، كونه ينص على الصحفة وهي ما تشبع الخمسة فيما قاله الكسائي وغيره، دخل في الحديث، وغير الصحفة من آنية الذهب، ومثلها ما يؤكل به كالملعقة والشوكة والسكين وما أشبه ذلك من أدوات الأكل.

(( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم -أي للكفار- في الدنيا ) )والضمير يعود إليهم، وإن لم يجرِ لهم ذكر، فإن السياق يفيد أنهم هم المقصودون بالخبر، (( لهم في الدنيا ) )هم الذين يباشرون مثل هذه الأشياء، وهم الذين يستعملونها؛ لأنهم لا يتدينون بدين، ولا يرجون ثوابًا ولا يخشوع عقابًا (( ولكم في الآخرة ) )لكم أيها المسلمون الذين التزمتم ما أمرتم به، واجتنبتم ما نهيتم عنه، جزاءً وفاقًا امتنعتم عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فأبيحت لكم وخصصت لكم في الآخرة، كما أن من شرب الخمرة في الدنيا لم يشربها في الآخرة، من سمع الغناء في الدنيا، لم يسمع غناء الحور العين في الآخرة، وهكذا جزاءً وفاقًا.

(( فإنها لهم في الدنيا ) )هذا إخبار وليس بحكم، ليس معنى أن هذا مباح لهم، لكن هذا إخبار عن حالهم وعن واقعهم، فلأنهم لا يتدينون بدين، ولا يخشون عقاب، ولا يرجون ثواب يستعملونها، وإلا فهم ممنوعون حكمًا من استعمالها، على القول الراجح من أقوال أهل العلم في مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كمخاطبتهم بأصولها عند جمهور العلماء.

ومنهم من يقول: هم غير مخاطبين مطلقًا، ومنهم من يقول: هم مخاطبون بالكف عن المحرمات دون فعل الواجبات والمأمورات؛ لأن فعل المأمورات يحتاج إلى نية، وهم ليسوا من أهل النية، أما الكف فيحصل من غير نية، لكن القول المرجح عند جمهور أهل العلم: أنهم مخاطبون.

يقول الله -سبحانه وتعالى-: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [ (42 - 44) سورة المدثر] .. إلى آخره، فذكروا في أول ما ذكروا فروع من فروع الشريعة، كان سببًا في دخولهم النار، ومعنى أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقبون عليها، ويزاد في عذابهم في الآخرة إضافة إلى عذابهم على عدم الإيمان بالله -سبحانه وتعالى-.

قد يقول قائل: إذا كانوا بحيث لا تصح منهم العبادات في الدنيا، ولا يطالبون بقضائها إذا أسلموا فما معنى مخاطبتهم بالفروع؟ معناه ما سمعتم، أنهم يزاد عليهم في العذاب من أجلها، وكونهم لا يطالبون بها حال الكفر لأنها لا تصح إلا بالنية والنية من غير المسلم ليست صحيحة، قصد التعبد لله -سبحانه وتعالى- لا يمكن أن يصدر من غير مسلم، ولا يكلفون بقضائها إذا أسلموا ترغيبًا لهم في الإسلام، فلو أسلم كافر وعمره سبعون سنة، هل يقال له: عليك أن تقضي الصلوات والصيام مدة خمس وخمسين سنة يعني بعد التكليف؟ لا يقال له ذلك ترغيبًا في الإسلام؛ لأنه لو قيل له ذلك احتمال أن يقول .. ، يرجع عن إسلامه، احتمال أن يقول: ما لازم نسلم هذه مشقة عظيمة، فمن باب الترغيب له في الإسلام لا يؤمر بقضائه.

يلزم على قول من يقول: أنهم غير مخاطبين لتخلف الشرط المصحح لهذه الفروع، يلزم عليه أننا لا نأمر بالصلاة إلا المتوضأ، ما نؤمر أحد نقول له: صلِ؛ لأننا ما ندري هو متوضأ أو ما هو متوضأ؟ نقول له: توضأ، توضأ قبل، نأمر الناس بالوضوء، ثم نأمر من توضأ بالصلاة، لماذا؟ لأن الصلاة لا تصح من غير وضوء، وهذا لا يقول به الحنفية ولا غيرهم، الذين يقولون: إنهم غير مخاطبين بالفروع، بل يؤمر بالصلاة وبما تتطلبه الصلاة من شروط، وحينئذٍ يطالب بالفروع، الكافر يطالب بالفروع وبما تتطلبه هذه الفروع من شروط وهكذا.

(( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما ) )النص ثبت في الأكل والشرب، وجماهير أهل العلم ألحقوا بالأكل والشرب سائر الاستعمالات، سائر الاستعمالات، فلو كان مع الرجل المسلم قلم من ذهب أو ساعة من ذهب أو ما أشبه ذلك عند جماهير أهل العلم يحرم عليه استعمال هذا الذهب.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت