(( محاسن التأويل ) )، أودعه ما صفا من التحقيقات، و أوّشحه بمباحث هن المهمات، أوضح فيه خزائن الأسرار، وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر، وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر، وزوائد استنبطتها بفكري القاصر، مما قادني الدليل إليه، وقوى اعتمادي عليه، وسيحمد السابح في لججه، والسانح في حججه، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح و الحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لب اللباب، ومهتدى أولي الألباب، ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز، في حل المشكلات، اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك تُصَوَّب أسنّة البراهين نحو نحور الشبهات.
ولا يخفى أن من القضايا المسلمة، والمقدمات الضرورية، أنه مهما تأنق الخبير في تحبير دقائقه السميّة، فما هو إلا كاشح لشذرة من معانيه الظاهرة، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب، وما تضمنه من لب اللباب، لأنه منطو على أسرار مصونة، وجواهر مكنونة؛ لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه، ولا نتبين حقائقها إلا بالتلقي عن خيرته ومصطفاه.
وهذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير (1) في مصطلح التفسير، وهي قواعد فائقة،
= مطولًا، وإسناده تالف، وأورده الهيثمي في"مجمع الزوائد" (7/ 159) وقال رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن رافع وهو متروك.
(1) قال القرطبي في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (العلماء ورثة الأنبياء ) ) وهذا شرفٌ للعلماء عظيم ومحل لهم في الدين خطير. (4/ 41)
وقال الخطيب في"التاريخ" (5/ 266) : محمد بن داود بن أبي بكر الصوفي وكان من كبار
مقدمة ــــــــــــــ ط. دار الحديث ــــــــــ (ص:19)
وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه، ومسلكًا لتسهيل خض عبابه، تعين المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه.
فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم، التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادره ومقاصده، ينبوعًا لمعاني الفرقان، وعقدًا ضمَّ درر التبيان، وقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس الحكم ثم وُهِبَ لك المهر، فقدم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت، وأقبل على ما قبلك منه فها أنت قد فزت بما حصلت، وفراق وَهْدَ التقليد إلى يفاع الاستبصار، وتسنم أوج التحقيق في مطالع الأنظار، والبس التقوى شعارا، والاتصاف بالإنصاف دِثارا ً، واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف به لأهله ملة، ولا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية، أنفة ذوي النفوس العصية، فذلك مرعى لسُوَّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل.
وكان شروعي في هذه النية الحميدة، بعد استخارته تعالى أيامًا عديدة؛ في العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمئة وألف، نفعنا الله بما يجري منه على يدينا، ولا جعله حجة علينا، ونحن نستغفر الله ما تعاطيناه من الأمر العظيم، واقتحمناه من الخطر الجسيم، ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدو الرجيم، ونسأله توفيقًا يقف بنا على جادة الاستقامة، ويصرفنا عن عمل ما يعقبه ملام أوندامة، ونرجو من فضله تعالى حياة طيبة، وعزمًا تنحط دونه المصاعب، وعونًا على إكمال هذا المأرب تبيض به وجوه المطالب.
وهداية قدسية إلى الطريق المثلى، وعناية لدُنيه نقوي بها على تأييد كلمة الحق الفضلى، فهو ولي الإنعام، في البدء والختام.
= شيوخ الصوفية له عندهم قدر كبير ومحل خطير وكذا في ترجمة سعيد بن الحسين أبو الحسن الدارج (9/ 105) ، وقال سفيان بن عيينة: فكان له في العلم قدر كبير ومحل خطير (9/ 174)
.وقال المناوي في (( فيض القدير ) ): فلان خطير غير حقير، وقال ابن إسحاق في (( السيرة ) ) (3/ 36) : فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين وإمام المتقين وروسل رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد.